فهرس الكتاب

الصفحة 987 من 2536

ويستوقفنا مثل هذا المعنى حواه القرآن الحكيم، إذ يوجب أن تعطي الفرصة كاملة للمشركين والضالين كيما يستمعوا إلى رسالة الإسلام استماعا مباشرا وعن كثب من أجل أن تطرق أسماعهم وأفئدتهم حقائق هذا الدين الكريم المفضل بما يحمله للبشرية من معالم رصينة في الأخوة والرحمة والمنطق السليم، وقواعد ثوابت في الحق والخير والعدل - ومقتضى ذلك: أن الكافر المرتاب الذي يتيه في جهالته المطبقة للإسلام والذي تحيط به المعوقات والفتن والشبهات المصطنعة والمفتراة على الإسلام -إذا جاء يطلب الحجة من المسلمين على حقيقة دينهم وصدق رسالتهم، قبلوه وعرضوا عليه منهج الإسلام بعقيدته السمحة المرغوبة، وشرعه المتكامل الميسور، وتصوره المحبب الرائع الذي يتفق وفطرة البشر وطبائع الناس وينسجم وطبيعة هذا الكون الرتيب المتسق - لا جرم أن ذلك برهان ساطع على تكريم الإسلام للإنسان مسلما أو غير مسلم - وتكريم الإنسان المسلم معلوم في تصور الإسلام - وفي تشريعه الكبير - وكذلك غير المسلم؛ فإن الإسلام يحقق له من الأسباب والذرائع الحسية والذهنية ما يفضي إلى إقناعه في حرية موفورة وتودد بالغ، ويكشف اللبس والشبهات عن ذهنه وبصيرته بالحجة الواعية الكافية والمجادلة الحكيمة المستفيضة حتى يستيقن غير المسلم روعة هذا الدين وأنه الحق المبين المنزل من عند الله هداية الناس كافة.

من أجل ذلك شرع الأمان للمشركين في كل الأحوال كيما يتمكنوا من الدخول على المسلمين فيتعلموا منهم حقيقة هذا الدين عسى أن يهتدوا - على أن الأمان من حيث إعطاؤه يناط بكل واحد من آحاد المسلمين سواء كان رئيسا أو مرؤوسا، ذكرا أو أنثى، حرا أو عبدا - فأيما مسلم يجوز له أن يعطي الأمان لأحد المشركين ليلج عليه فيوفقه على مزايا هذا الدين وتعاليمه.

قال صاحب الكشاف - وهذا الحكم ثابت إلى ثوم القيامة - قال الحسن البصري: هذه الآية محكمة إلى يوم القيامة.

قوله: {ذالك بأنهم قوم لا يعلمون} ذلك عائد إلى الإجازة؛ أي ذلك الأمر بإجارة المشركين كان بسبب كونهم جهلة لا يعلمون عن الإسلام شيئا، أو يعلمون عنه ظاهرا مصطنعا من المفاهيم المشوهة والأخبار الملفقة تلفيقا - أما حقيقة الإسلام بنصوعه وروعة نظامه الرحيم الشامل؛ فلا يدرك منه المشركون شيئا 25.

قوله تعالى: {كيف يكون للمشركين عهد عند الله ورسوله إلا الذين عاهدتم عند المسجد الحرام فما استقاموا لكم فاستقيموا لهم إن الله يحب المتقين} {كيف} استفهام إنكاري متضمن للتعجيب - كما نقول: كيف تستحي من الحق؟! أي ما كان ينبغي لك أن تستحي من الحق - والله جل وعلا يبين في هذه الآية حكمته في البراءة من المشركين وإنظاره إياهم أربعة أشهر ثم يرقون بعد ذلك القتال حيثما ثقفوا - وذلك في قوله: {كيف يكون للمشركين عهد} يعني أنى يكون للمشركين بالله عهد أو ذمة عند الله وعند رسوله فيوفي لهم ويتركوا بسببه آمنين يتصرفون في بلاد المسلمين طلقاء كيف شاءوا؟ فما ينبغي أن يكون لهؤلاء المتربصين الخائنين عهد أو ذمة - بل الواجب النبذ إليهم على سواء لقتالهم وكسر شوكتهم إذهابا للظلم والباطل عن وجه الأرض.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت