وذهب الإمام مالك إلى أفضلية تأخير صلاة الظهر عن وقتها حتى الإبراد، وذلك في الصيف حيث الحر الشديد؛ استنادا إلى ما أخرجه البخاري والترمذي بإسندهما عن أبي ذر الغفاري قال: كنا مع النبي (ص) في سفر، فأراد المؤذن أن يؤذن للظهر، فقال النبي (ص) :"أبرد"ثم أراد أن يؤذن فقال له:"أبرد"حتى رأينا فيء التلول فقال النبي (ص) :"إن شدة الحر من فيح جهنم، فإذا اشتد الحر فأبردوا بالصلاة"وهو ما ذهب إليه الإمام مالك أيضا فقد ذكر عنه قوله: أول الوقت أفضل في كل صلاة إلا الظهر في شدة الحر لما بينا من أدلة - وتفصيل هذه المسائل في مواطنه من كتب الفقه.
وقوله: (أين ما تكونوا يأت بكم الله جميعا إن الله على كل شيء قدير) (أين ما) أداة شرط تجزم فعلين - (تكونوا) فعل الشرط مجزوم بحذف النون - (يأت) جواب الشرط مجزوم بحذف حرف العلة من آخره.
بعد الدعوة للاستباق في فعل الخيرات ومبادرة الطاعات دون تأخير، يعيد الله للأذهان فكرة الموت، وهو أمر مريع مخوف جلل لا يطرأ على البال حتى يوقظ فيه دوام الصحو واليقظة، ولا يمس خبره الحس والوجدان حتى يثير في النفس الرهبة والتوجس.
فإن مصير الخليفة إلى الموت المتربص المحتوم، ثم نجد بعد ذلك مساقها إلى الله في يوم حافل بالأهوال والقواصم وحافل بالشدائد والوجل - وذلكم يوم القيامة حيث الحساب الدقيق الكاشف عن الأعمال والنوايا بين يدي الله سبحانه - وهو العالم بالأسرار والأستار، المطلع على خفايا الصدور وهو (على كل شيء قدير) .
قوله: (ومن حيث خرجت فول وجهك شطر المسجد الحرام وإنه للحق من ربك وما الله بغافل عما تعملون) .
قوله: (ومن حيث خرجت فول وجهك شطر المسجد الحرام) .
وقوله: (وحيث ما كنتم فولوا وجوهكم شطره) .
هذه آيات ثلاث تتفق من حيث التجانس في العبارة ومن حيث المعنى والمضمون.
وهي آيات يلاحظ فيها التكرار الذي لا يقع في الكتاب الحكيم عبثا، بل إنه تكرار ينطوي على كثير من المعاني والأحكام.
ويمكن القول هنا أن التكرار في هذه الآيات الثلاث حول استقبال الكعبة يحتمل في تعليله أمرين - أحدهما: التأكيد من الله جلت قدرته للنبي والمسلمين على الامتثال في طواعية تامة لاستقبال القبلة الجديدة بعد أن نسخ الحكم السابق وهو استقبال بيت المقدس؛ وذلك كيلا يجد بعض المسلمين في نفوسهم شيئا من التردد أو الشك أو العنت، وليبادروا التوجه في الحال نحو البيت العتيق؛ تنفيذا لكلمة الله وتحقيقا لأمره الذي لا معقب له.
الثاني: أن التكرار ينطوي على جملة فوائد شرعية تفصيلية في تبيين كيفية التوجه والاستقبال في مختلف الحالات أو الظروف أو المواضع:
منها: أن من عاين الكعبة مُشاهدة أو حسا عليه أن يتوجه نحوها عينها بالذات، وإذا لم يفعل ذلك كأن يتجه صوب جهة أخرى مخالفة فإنه لا صلاة له أو كالذي افتقد شرطا أساسيا من شروط الصلاة وهو استقبال القبلة، وقيل بل هو ركن من أركانها على الخلاف.
ومنها: أن من كان في مكة، لكنه لم يشاهد البيت فعليه أن يستقبل المسجد الحرام حيث الكعبة.
ومنها: أن من كان خارج مكة من مختلف البلدان فعلية أن يتوجه في قبلته نحو مكة، وقد بينا سابقا الحديث حول هذه المعاني إذ يقول الرسول (ص) :"البيت قبلة لأهل المسجد، والمسجد قبلة لأهل الحرم، والحرم قبلة لأهل الأرض في مشارقها ومغاربها من أمتي".