قوله: (ومن أعرض عن ذكري) أي أعرض عن القرآن وما فيه من عظيم الأحكام وجليل الفضائل فأدبر عن منهج الله واتبع ما يهواه من ملل الضلال والباطل (فإن له معيشة ضنكا) الضنك والضناكة والضنوكة بمعنى الضيق من كل شيء - وأصل ذلك في اللغة الضيق والشدة ويستوي فيه الواحد والاثنان والمذكر والمؤنث والجمع 61، وهذا نذير للناس يتوعد الله به المخالفين عن أمره، المعرضين عن دينه ومنهجه، المقبلين على الهوى والكفر والضلال- يتوعدهم بالمنكود من العيش المتكدّر الذي يُسام فيه الفاسقون الشاردون عن شريعة الله سوء العيش وكَدر الحياة ليجدوا فيهما من ضروب الكروب والاغتمام والتنغيص والجشع ما يؤرق فيهم الأعصاب والمشاعر ويذيقهم القلق والرهق والشقاء.
وهذه هي حال الناكبين عن منهج الله، التاركين لدينه القومي؛ فإن الله مبتليهم في حياتهم الدنيا قبل الآخرة بألوان البلاء والأسقام والعلل النفسية والاجتماعية والاقتصادية وغير ذلك من وجوه البلاء والمضانكة فلا تتيه البشرية في الضلال والعصيان والتفريط عن منهج الله الحق لتستعيض عنه بنظم وضعية كافرة حيث الآثام والمعاصي والفواحش والرذائل والإباحية، حتى يبتليهم الله بويلات الدنيا وتعسها وأخطارها قبل أن يرحلوا إلى دار القرار الأخرى ليلاقوا هنالك ما هو أشد وأنكى - وهو قوله: (ونحشره يوم القيامة أعمى) أي أعمى البصر، زيادة في التنكيل بهؤلاء المعرضين عن ذكر الله وهو قرآنه المجيد ومنهجه الحق، الإسلام وقيل: أعمى عن الحجة.
قوله: {قال رب لم حشرتني أعمى وقد كنت بصيرا} أي كنت في الدنيا ذا بصر؛
فهو يسأل ربه هذا السؤال واهما
أنه عوقب من غير جرم فعله.
(قال كذلك) أي مثل ذلك فعلت أنت - ثم فسره بقوله: (أتتك آياتنا فنسيتها) أي أتتك منا الدلائل الواضحة فلم تتدبرها، ولم تعتبر بها؛ بل تركتها وأعرضت عنها (فنسيتها وكذلك اليوم تنسى) أي مثل ذلك النسيان منك في الدنيا تنسى اليوم؛ أي تترك فيما أحاط بك من العمى والعذاب.
قوله: (وكذلك نجزي من أسرف) (أسرف) من الإسراف، وهو تجاوز الحد؛ أي مثل ذلك الجزاء نجزي من أعرض عن الذكر وهو القرآن، وعن التفكر في آيات الله ودلائله، وجاوز الحد في المعصية.
قوله: (ولعذاب الآخرة أشد وأبقى) ذلك تأكيد من الله بأن العذاب في الآخرة أفظع وأنكى وأدوم مما يلاقيه العصاة في الدنيا من ضناكة العيش؛ فإن شدة العيش وضيقه في الدنيا يمر ويزول لكن عذاب الله في الآخرة لا يزول ولا يحول 62.
قوله تعالى: {أفلم يهد لهم كم أهلكنا قبلهم من القرون يمشون في مساكنهم إن في ذلك لآيات لأولي النهى (128) ولولا كلمة سبقت من ربك لكان لزاما وأجل مسمى (129) فاصبر على ما يقولون وسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس وقبل غروبها ومن آنائي الليل فسبح وأطراف النهار لعلك ترضى (130) } .
فاعل (يهد) هو المصدر - وتقديره: أو لم يهد لهم الهدى أو الأمر - و (كم) ، في موضع نصب مفعول مقدم للفعل - (أهلكنا) وتقديره: كم قرية أهلكنا 63.