وهذه حيلة خبيثة مما ابتكرته عقول الحاقدين والحاسدين من شرار البرية - أولئك الذين يديمون التواطؤ ويصلون الليل بالنهار وهم يأتمرون بهذا الدين ليجتثوه من جذوره إن استطاعوا، أو يثيروا من حوله الأكاذيب والشبهات ليرتاب المسلمون في دينهم فينقلبوا عنه انقلاب المرتكس المخذول، ولينثنوا عنه انثناء المتردد الحائر:
حيلة خبيثة نكراء بادر أهل الكتاب لاصطناعها والتشبث بها عسى أن تتزلزل العقيدة الإسلامية في نفوس أصحابها، فيكون ذلك مدعاة لانهيار الإسلام وتداعيه كليا- لا قدر الله-.
هكذا يتمنى الحاقدون والحاسدون من أهل الكتاب، لكن هذه مجرد أحلام وأماني تظل تتزاحم في نفوس هؤلاء الأفاكين الدجاجلة لتقضهم قضا ولتؤز نفوسهم أزا - أما الإسلام فلا جرم أنه باق بقاء الدهر والزمان حتى يرث الله الدهر والزمان!
الإسلام باق برعاية الله وكلاءته كيما تستظل البشرية بأفيائه الدفيئة اللطاف.
وإذا كان الأمر بالظالمين كذلك من حيث التواطؤ فيما بينهم وتأمرهم على الإسلام بابتكار هذه الحيلة الماكرة، وهي تظاهر بعضهم باعتناق الإسلام في الظاهر أول النهار ثم ارتدادهم عنه آخر النهار، أو أن يكون الاعتناق فترة من الوقت ثم يعقبه الارتداد؛ ليرتاب الضعفة من المسلمين في دينهم أو ينثنوا عنه إلى ملل الكفر - - إذا كان الأمر كان كذلك بات لزاما أن يتصدى الإسلام بتشريعه لمثل هؤلاء المخادعين فيوجب إنزال الحد بالقتل في حق المرتدين عن ملة الإسلام؛ سدا لذريعة الفتنة والغواية التي يثيرها دهاقنة المكر والخيانة والتربص بالإسلام - وسيأتي تفصيل ذلك في موضعه لدى الحديث عن حد الردة إن شاء الله.
قوله تعالى: (ولا تؤمنوا إلا لمن تبع دينكم قل إن الهدى هدى الله أن يؤتى أحدكم مثل ما أوتيتم أو يحاجوكم عند ربكم قل إن الفضل بيد الله يؤتيه من يشاء والله واسع عليم) - (ولا تؤمنوا) أي لا تصدقوا - وهذا من كلام يهود بعضكم لبعض - إذ قال الرؤساء والأحبار للعوام والسفلة منهم: لا تصدقوا إلا أهل دينكم، ولا تطمئنوا لغير أتباعكم من الذين على ملة اليهود - وذلك تعبير عما تكنه صدور هؤلاء من جحود لدين الإسلام ولنبوة محمد صلى الله عليه و سلم مع أنهم كانوا يجدون في كتابهم التوراة- وكذا الإنجيل- أن الإسلام حق، وأن نبي الإسلام صادق وأمين، وأنه رسول الله إل البشرية كافة، لكن المعضلة الكبرى في الطبيعة الضالة الجانحة لهؤلاء وفي تعصبهم البغيض الذميم - التعصب الذي يعمي ويصم والذي يفيض على المشاعر والجوارح إفرازات كثافا من ظلمات الحق المركوم.
قوله: (قل إن الهدى هدى الله) هذه جملة اعتراضية - وهي من قول الله - والهدى في اللغة يعني الرشاد والدلالة - هداه الله إلى الطريق أرشده 123.
والمراد أن البيان الحق بيان الله والهدى هداه، فليس من هداية ولا رشاد ولا صواب إلا ما كتبه الله وقرره للعالمين - وما كان من دلالة أخر من دلالات البشر لا جرم أنها خلاف الحق وأنها مغايرة لهداية الله، الهداية السوية المستقيمة التي كتبها الله للناس ليعيشوا طيلة الدهر سالمين مطمئنين.