قوله: {قل إن الذين يفترون على الله الكذب لا يفلحون} هذا وعيد مخوف من الله للذين يختلفون الكذب على الله بزعمهم أن الله اتخذ ولدا فأضافوا إليه الشركاء والأنداد، وهو سبحانه منزه عن ذلك كله -يتوعدهم بأنهم {لا يفلحون} لن يفوز هؤلاء لا في الدنيا ولا في الآخرة - أما في الدنيا فيبتليهم الله بالعاهات النفسية والشخصية والاجتماعية وغير ذلك من ألوان العاهات والكروب والأزمات ليكابدوا في حياتهم القلق والرهق واضطراب الأعصاب - وما الدنيا في حق هؤلاء الظالمين الذين خسروا أنفسهم إلا المتاع العاجل الزائل الذي ما يلبث أن ينقشع كما تنقشع السحابة؛ إذ تلوح في أفق السماء مدة عابرة من الزمان ثم تختفي - وأما في الآخرة: فيصيرون إلى النار حيث العذاب الحارق الواصب الذي لا يفني ولا يزول - وهذا مقتضى قوله سبحانه: {متاع في الدنيا ثم إلينا مرجعكم ثم نذيقهم العذاب الشديد بما كانوا يكفرون} .
71 - (وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ نُوحٍ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ إِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكُمْ مَقَامِي وَتَذْكِيرِي بِآيَاتِ اللَّهِ فَعَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْتُ فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءَكُمْ ثُمَّ لا يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً ثُمَّ اقْضُوا إِلَيَّ وَلا تُنْظِرُونِ)
قوله تعالى: {واتل عليهم نبأ نوح إذ قال لقومه يا قوم إن كان كبر عليكم مقامي وتذكيري بآيات الله فعلى الله توكلت فأجمعوا أمركم ثم لا يكن أمركم عليكم غمة ثم اقضوا إلي ولا تنظروا} .
أمر الله نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم أن يقصص القصص على قومه المشركين فيذكرهم بما حل بقوم نوح من إهلاكهم بالغرق ليكون في ذلك ما يزجرهم ويخوفهم ويردعهم عن التلبس بالشرك وعبادة الأوثان - وهو قوله: {واتل عليهم نبأ نوح إذ قال قومه يا قوم عن كان كبر عليكم مقامي وتذكيري بآيات الله} أي إن كان قد ثقل عليكم مقامي وهو مكثي وإقامتي بين أظهركم {وتذكيري بآيات الله} أي شق وكبر عليكم وعظي وما أذكركم به من البراهين والدلائل {فعلى الله توكلت} أي فإني لا أعبأ ولا أبالي بكيدكم وصدكم؛ لأني قد توكلت على الله، وفوضت أمري إليه، واعتمدت في شأني كله عليه {فأجمعوا أمركم وشركاءكم} أي اجتمعوا أنتم وشركاؤكم من الأوثان والآلهة المزيفة الموهومة، وأعدوا أمركم واعزموا على ما أنتم مقدمون عليه من الكيد لي والمكر بي والنيل مني - وإنما قال ذلك لقلة مبالاته بهم وثقته بما وعده ربه من الكلاءة والعصمة، وأنهم لن ينفروا إليه ولن يجدوا إليه سبيلا.
قوله: {ثم لا يكن أمركم عليكم غمة} الغمة من الاغتمام - وهو التغطية والاستتار، والمعنى: لا يكن أمركم عليكم ملتبسا مبهما - أو لا يكن قصدكن إلى إهلاكي مستورا بل مكشوفا تجاهرونني به.
قوله: {ثم اقضوا إلى ولا تنظرون} أي أمضوا إلى ما تحدثكم به أنفسكم من كيدي والإيقاع بي - أو قضوا إلي ما كنتم قاضين ثم لا تؤخرون ولا تمهلون بل عجلوا أمركم واصنعوا بي ما بدا لكم - وفي هذا تعزية لنبينا محمد صلى الله عليه وسلم وتقوية من الله لقلبه كيلا يعبأ بكيد المشركين وأذاهم؛ فالله معه لا يذره وحيدا ولا يسلمه للمتربصين والماكرين 84.