قوله: (ومن يكسب إثما فإنما يكسبه على نفسه -.) إذا أساء الإنسان أو ظلم أو قارف من الذنوب والخطايا شيئا فلا يحيق ذلك إلا بنفسه ولا يعود ضرر ذلك على أحد غيره - وهو كقوله سبحانه: (ولا تزر وازرة وزر أخرى) - أي أن نفسا لا تغني عن نفس شيئا وليس لها أن تحمل منها ما اكتسبت من سيئة، وبذلك فكل نفس غنما تجني عليها وذلك هو الحق والعدل وهو ما تقرر بعلم الله وحكمته فإنه سبحانه يعلم كيف تتقرر الأمور بالحق والعدل والحكمة.
قوله: (ومن يكسب خطيئة أو إثما ثم يرم به برئيا - -.) ذلك تنديد بالظلمة المفترين الذين تتلطخ أيديهم وأنفسهم بالإثم والخطيئة مثل بني أبيرق ثم يأخذون غيرهم من البرئاء والصلحاء بالتهمة والافتراء وهم يعلمون أنهم مبطلون كاذبون - إن من يكسب مثل هذه الخطيئة الظالمة يأتي وقد (احتمل بهتانا وإثما مبينا) البهتان من البهت بضم الباء وهو قذف الغير وهو بريء بالذنب والسوء - وفي بيان ذلك أخرج الإمام مسلم عن أبي هريرة أن النبي (ص) قال:"أتدرون ما الغيبة؟"قالوا: الله ورسوله أعلم قال:"ذكرك أخاك بما يكره"قيل: أفرأيت إن كان في أخي ما أقول؟ قال:"إن كان فيه ما تقول فقد اغتبته وإن لم يكن فيه فقد بهتّه".
وعلى هذا فإن كسب الخطيئة أو الإثم والتنصل منه لرمي الغير به في ظلم لهو من كبائر الذنوب لما في ذلك من احتمال للبهتان وهو ما يحيق بالبريء من تهمة مصطنعة مفتراة يختلقها أهل السوء من المبطلين.
ومما يثير العُجب حقا هذا الزخم الهائل من معاني التحذير والتنديد أو الوعيد والتهديد أو الإخبار والبيان أو التنكر والإغلاظ أو التكريم والتأنيب أو التقويم والتوجيه كل أولئك من أجل أن يتبرأ يهودي مظلوم!! من أجل أن تبدد من واقع البشر كل سحابة عاتية تغشى الناس بظلم - والظلم من المفاسد البشعة التي شدد الإسلام في استنكارها والتنديد بها.
تسع آيات محكمات يتنزلن تحت العرش على قلب النبي (ص) ليتلوها هو والناس في زمانه ومن بعده حتى الأبد الأبيد، وهي حاشدة بالمعاني الدافقة المختلفة درءا لظلم قد أحاط بيهودي بعد أن افترى عليه فريق من الناس بغير حق - وهذا هو الإسلام في إحقاقه الحق، وفي دفعه للباطل، وفي رفضه للظلم أن يحيق بإنسان، يستوي في ذلك أن يكون المظلوم مسلما أو غير مسلم - ذلك هو شأن الإسلام في ترسيخ الحق والعدل بين الناس في كل الأحوال - إنه الحق أو العدل الذي ليس له في تاريخ الملل والشرائع نظير - عدل حقيقي مطلق تستظل بظله الخلائق من الناس على اختلاف دياناتهم ومذاهبهم مما لم تعرف البشرية له مثيلا طيلة زمانها المستدير.
113 - (وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ لَهَمَّتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ أَنْ يُضِلُّوكَ وَمَا يُضِلُّونَ إِلا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَضُرُّونَكَ مِنْ شَيْءٍ وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا)