فهرس الكتاب

الصفحة 434 من 2536

ولذلك فإن ادم وحواء هما أبوا البشر كافة وقد خلق الله عن طريقهما تفرعا وتسلسلا هذه الجموع البشرية المنبثة في بقاع الأرض والتي توجد عل هيئات شتى من الشعوب والقبائل والأجناس والأعراق، سواء كان ذلك في الأمصار أو الأرياف أو البوادي أوفي البراري والصحاري وعبر البحار - كل أولئك رجالا ونساء هم من نسل دم ومعه زوجه حواء - وفي ذلك ما يكشف عن شان الله العظيم الذي يتجلى في مقدرته المطلقة بما يجعله سبحانه أهلا للمعبودية دون أحد من خلقه، وليس ذلك إلا بتقدير الله وإرادته وحكمته، فهو سبحانه القادر عل كل شيء والذي لا يعز عليه أن يخلق أو يصنع أي شيء.

وقوله: (واتقوا الله الذين تساءلون به والأرحام) - يأمر الله عباده في تأكيد مكرور بأن يتقوه فهو الذي يتساءلون به - أي الذي يحلّف به بعضهم لبعض وذلك أن يقول أحدهما للآخر سألتك بالله.

(والأرحام) يحتمل إعرابها وجهين: أولهما: أنها منصوبة عل المفعولية لكونها معطوفة على لفظ الجلالة قبلها - وثانيهما: أنها مجرورة لكونها معطوفة عل الضمير المتصل في الكلمة"به"قبلها.

والراجح القول الأول وهو النصب - فيكون المعنى عل نحو السياق التالي: فاتقوا الله الذي تساءلون به واتقوا الأرحام؛ لأن ذلك أبعد عن المحظور الذي يقع في الحلف أو التساؤل حلفا بغير الله - فقد أخرج الشيخان عن ابن عمر أن النبي (ص) قال:"من كان حالفا فليحلف بالله أو ليصمت".

وكذلك روى الشيخان عن ابن عمر أنه عليه الصلاة والسلام قال:"لا تحلفوا بآبائكم".

قوله: (إن الله كان عليكم رقيبا) .

ذلك تعقيب مناسب مؤثر يرد في هذا المجال ليؤثر في نفوس المؤمنين فيزدادوا إيمانا ومن ثم يكونون دائمي الصلة بالله ومستشعرين لمخافته التي تمس قلوبهم بغير مبارحة.

وقوله: (رقيبا) بمعنى حافظ أي مراقب لسائر الأحوال والأعمال، وعالم بالمقاصد والنوايا، فهو سبحانه لا تخفى عليه الأسرار والخفايا.

قوله تعالى: (وآتوا اليتامى أموالهم ولا تتبدلوا الخبيث بالطيب ولا تأكلوا أموالهم إلى أموالكم إنه كان حوبا كبيرا) .

يأمر الله الأولياء والأوصياء أن يعطوا اليتامى أموالهم - والمقصود باليتامى هنا الذين كانوا أيتاما فيما مضى ثم بلغوا الرشد، إذ لا يجوز أن تدفع الأموال لليتامى حال يتمهم فإن في ذلك تبديدا وتضييعا لها - وعلى ذلك فإن المقصود في الآية الذين كانوا أيتاما، وذلك كقوله تعالى: (فألقي لسحرة ساجدين) إذ لا يسجد السحرة ماداموا على حالهم من الضلالة والشرك، ولكنهم سحرة باعتبار ما كانوا عليه من السحر والشرك قبل الإيمان - وكذلك كان يقال للنبي (ص) حال كبره ونبوته:"يتيم أبى طالب"وذلك بالنظر ليتمه؛ إذ كان صغيرا.

قوله: (ولا تتبدلوا الخبيث بالطيب) الخبيث والطيب هما صفتان للمال - والمقصود بالخبيث المال الزيف الهزيل أو الرديء الذي تعزف عنه النفس - أما الطيب فهو المال الجيّد المرغوب.

والله سبحانه ينهى الأولياء والأوصياء الذين يرعون اليتامى أن يأكلوا أموالهم الجيدة رغبة منهم فيها ليبذلوا مكانها أموالا رديئة ويقولوا: أموال بأموال - فإن ذلك لا يعدو أن يكون ضربا من التحايل الذي يدفع إليه الطمع والشهوة الجامحة في جمع المال - وذلك حرام بغير شك.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت