قوله تعالى: (وإلهكم إله واحد لا إله إلا هو الرحمن الرحيم) ذلك هو أساسا العقيدة في هذا الدين العظيم، بل هو أساس الأمر كله بالنسبة لهذا الكون الهائل المعمور الذي تتزاحم فيه الكائنات والمخلوقات، سواء الأحياء أو الجوامد، فإن أولئك جميعا قد جيء بهم على قدر من الله - فهو الإله المعبود الأجل - الواحد أي ليس من إله معك شريك، بل هو وحده له السلطان والمعبودية، وهو سبحانه (الرحمن الرحيم) أنه ليس له في الرحمة شبيه أو نظير، ولا تملك الأحياء من مدى رحمته المطلقة إلا مثقال قطمير أو دون ذلك.
164 - (إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ)
قوله تعالى: (إن في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار والفلك التي تجري في البحر بما ينفع الناس وما أنزل الله من السماء من ماء فأحيا به الأرض بعد موتها وبث فيها من كل دابة وتصريف الرياح والسحاب المسخر بين السماء والأرض لآيات لقوم يعقلون) .
هذه مجموعة أدلة على وحدانية الله سبحانه، وعلى قدرته البالغة وهيمنته التي تحيط بالأشياء جميعا - وهي سبعة أدلة ينطق كل واحد منها بجلال الخالق الأعظم وإرادته المطلقة التي لا يصدرها أي يحول دون نفاذها شيء.
وأول هذه الأدلة: السماوات السبع التي جعلها الله طباقا عظاما كثافا - وهي على امتدادها وعظمة اتساعها وما يسبح في أرجائها وفضائها من هائل الأجرام وعظيم الخلائق، من كواكب سيارة وأخرى ثوابت غاية في الكثرة والضخامة والبعد بما لا يقوى على عدّه العادون، ولا يتصور مداه العالمون، إن ذلك كله ينطق بالبرهان المستبين على قدرة الخالق ووحدانيته وتفرده في الكمال والمعبودية.
وثانيهما: هذه الأرض التي ندبّ عليها، لما تقوم عليه من دقة النظام والناموس وروعة التناسق المتكامل ودوام الحركة المنتظمة الرتيبة وتمام التركيب المتماسك الموزون من أبحر وأنهر ومحيطات، ومن هاد وسهول وأطواد راسيات، ومن تراب مختلف ألوانه وأنواعه، وأحجار متعددة الأنواع والصفات منها الصلد الأملس ومنها اللين السهل ومنها الأسود والأدكن أو الأسمر والرمادي أو الترابي - وغير ذلك من الكيفيات والصفات أو الحقائق المقدورة والسمات، كل أولئك ينطق بأجلى دليل وأسطع برهان على عظمة الإله الأحد الفرد الصمد.
وثالثها: اختلاف الليل والنهار، سواء كان الاختلاف بينهما في الطول والقصر، أو في النور والظلمة، أو في إقبال أحدهما وإدبار الآخر - وكل ذلك يؤلف وحده برهانا متميزا لا يقوى على تحقيقه وصنعه إلا الله القادر.