قوله: (وأحلت لكم الأنعام إلا ما يتلى عليكم) أحل الله لكم الأكل من الأنعام وهي الإبل والبقر والغنم، واستثنى ما يتلى عليكم في كتابه الحكيم من المحرمات وهي الواردة في سورة المائدة كالميتة والدم ولحم الخنزير؛ أي أن الله أحل لكم سائر الأنعام إلا ما استثناه في كتابه الكريم.
قوله: (فاجتنبوا الرجس من الأوثان) (الرجس) ، بمعنى القذر أو النجس 40.
(من) ، لتبيين الجنس 41 أي فاجتنبوا القذر الذي هو الأوثان كما تُجتنب الأنجاس - وهذه غاية المبالغة في النهي عن تعظيم الأوثان والتنفير من عبادتها.
قوله: (واجتنبوا قول الزور) قرن الشرك بقول الزور تنبيها على عظيم جرم هذه المعصية - وفي التنديد بهذه الجريمة الكبرى أخرج في الصحيحين عن أبي بكرة أن رسول الله (ص) قال:"ألا أنبئكم بأكبر الكبائر؟"قلنا: بلى يا رسول الله - قال"الإشراك بالله، وعقوق الوالدين"وكان متكئا فجلس فقال:"ألا وقول الزور ألا وشهادة الزور"- فما زال يكرره حتى قلنا ليته سكت.
أما الزور، فمعناه الكذب وشهادة الباطل - والازورار، معناه العدل والانحراف عن الحق والاستقامة 42.
قوله: (حنفاء لله غير مشركين به) (حنفاء) ، منصوب على الحال، من الضمير في اجتنبوا - وكذلك، (غير) ، منصوب على الحال 43 و (حنفاء) ، جمع حنيف وهو المسلم المائل إلى الدين المستقيم 44 فالمراد بالحنفاء، المسلمون المائلون إلى الحق، المستقيمون على الحنيفية السمحة وهي ملة التوحيد.
قوله: (ومن يشرك بالله فكأنما خر من السماء فتخطفه الطير أو تهوي به الريح في مكان سحيق) هذا مثل فيه من روعة المفردات وعجيب التناسق بين الكلمات المنسجمة ما يرسم للخيال صورة مثيرة تكشف عن فداحة الخسران لهذا التاعس الخاسر - مثل، يضربه الله لحال الشرك في ضلال مسعاه وفساد قصده؛ إذ يتيه ضالا متخبطا وهو يعبد من دون الله آلهة مصطنعة موهومة، فمثله كمن انحط ساقطا من أعالي الدرجات إلى الأسافل، فتظفر به الطير ثم تقطعه تقطيعا أو تعصف به الريح فتهوي به في المهاوي الموغلة في البعد.
وذلك هو شأن الذي يتخبط ساقطا من معالي الإيمان والهداية إلى حضيض الضلال والغواية 45.
قوله تعالى: {ذلك ومن يعظم شعائر الله فإنها من تقوى القلوب (32) لكم فيها منافع إلى أجل مسمى ثم محلها إلى البيت العتيق (33) } .
اسم الإشارة (ذلك) في موضع رفع مبتدأ؛ أي ذلك أمر الله - وقيل: في موضع رفع على أنه خبر لمبتدأ محذوف - والشعائر، في الأصل بمعنى العلامات أو المعالم التي تعرف بها الأشياء، وواحدتها شعيرة، وهي العلامة التي تشعر بما جعلت له - وإشعار البدن هو أن تعلّم بما يشعر أنها هدي.
والمراد بالشعائر هنا على أقوال: منها: أنها مناسك الحج كعرفة والمزدلفة والصفا والمروة ورمي الجمار.
ومنها: أنها أوامر الله وهي اتباع طاعته واجتناب معصيته.
ومنها: أنها البدن، أو الهدايا التي يسوقها الحاج للحرم؛ لأنها من معالم الحج - وتعظيمها، معناه استحسانها واستسمانها؛ إذ يختارها صاحبها عظام الأجرام حسانا سمانا غالية الأثمان؛ ليكثر الانتفاع بها - وقيل: المراد بشعائر الله هذه الوجوه كلها - وعلى الخصوص، الهدايا أو البدن.