فهرس الكتاب

الصفحة 334 من 2536

المراد بالذين اتبعوه هم الذين على دينه من عقيدة التوحيد الكامل، العقيدة الصحيحة السليمة المبرأة من كل أوضار الشرك؛ لا جرم أن أتباعه على هذه الملة السديدة من التوحيد الخالص هم المسلمون وحدهم، سواء كانوا في زمن المسيح - وهم الذين اتبعوه بحث على أنه عبد الله ورسوله، وليس شيئا غير ذلك مما تهرف به ألسن المبطلين والمضللين أو كانوا من المسلمين بعد ظهور محمد صلى الله عليه و سلم - إن هؤلاء المسلمين هم جاعلهم الله فوق الكافرين جميعا على تعدد مللهم وعقائدهم الفاسدة، عقائد الشرك والضلال والانحراف.

على أن المراد بالفوقية هنا يحتمل وجهين: أحدهما: الفوقية المادية: وهي فوقية العزة والسلطان، الفوقية التي يظللها قوة الإعداد والعتاد والقدرة على قتال الضالين المفسدين في الأرض.

ثانيهما: الفوقية الاعتبارية: وهي القائمة على قوة الحجة والبرهان وسطوع الدلائل التي تشكف عن وجه الحق واليقين - والمسلمون في ميزان الله دوما هم الأعلون، وهم الجديرون بريادة البشرية ليسوسوا الناس بالحق والعدل والقسطاس المستقيم.

حتى إذا قامت القيامة صار الناس جميعا إلى الله، سواء فيهم أتباع عيسى من أهل التوحيد الخالص، أو الذين كذبوه أو أشركوا به - وإذ ذاك يقضي الله بين هؤلاء فيما كانوا قد اختلفوا فيه، إذ تفرقوا في حقيقة عيسى طرائق قددا، فأما الذين جحدوا نبوة عيسى عليه السلام أو خالفوا ملته السليمة المبنية على الإقرار لله بالعبودية أو قالوا فيه من الأباطيل الظالمة المفتراة ما لم ينزل الله به من سلطان فلسوف يعذبهم الله عذابا شديدا في الدنيا - وذلك بإخضاعهم لسلطان الإسلام وظهور الغلبة والاستعلاء للمسلمين عليهم - فما يجترئون على قتال المسلمين إلا كتب الله النصر لعباده المؤمنين المخلصين وهم المسلمون الصادقون ماداموا غير مختلفين ولا متفرقين - ومادامت تجمعهم العقيدة الإسلامية الراسخة وتشدهم كلمة الإسلام وحقيقة الإخلاص الكامل لله دون سواه - وإذا ما تحول المسلمون عن هذه الحقائق الراسخة إلى حيث التهاون والضعف والاستكانة أو التشبث بمذاهب غير إسلامية كالاشتراكية والفرعونية والقومية والإقليمية ونحو ذلك فلا جرم أن تحيق بالمسلمين الهزائم والأهوال وأن تدور عليهم دوائر القهر والإذلال.

وأما في الآخرة فإن مردهم إلى النار وبئس القرار، هنالك يجد الظالمون المضلون من عذاب التحريق والاصطلاء ما لا طاقة لهم باحتماله أو الاصطبار عليه - نسأل الله الغفران والرحمة.

وخلافا لأولئك الظالمين الذين باءوا بعذاب الله في كلتا الدارين، يمتدح الله عباده المسلمين الصادقين الذين آمنوا بعيسى المسيح، وصدقوه تمام التصديق، وأقروا له بكل تعاليمه التي بنيت على التوحيد الخالص وعلى تفرد الله وحده بالإلهية من غير شريك له في ذلك البتة، لا جرم أن هؤلاء سينالهم تكريم من الله وسيحظون من الأجر الأوفى ما هم به خليقون.

ذلك كله مقتضى قوله تعالى: (فأما الذين كفروا فأعذبهم عذابا شديدا في الدنيا والآخرة وما لهم من ناصرين وأما الذين آمنوا وعملوا الصالحات فيوفيهم أجورهم والله لا يحب الظالمين) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت