قوله: {وَلَكِنَّا أَنشَأْنَا قُرُونًا فَتَطَاوَلَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ} أي خلقنا بين زمانك وزمان موسى أمما كثيرة طال عليها العهد فنسوا آيات الله ودلائله، وعميت عليهم الأخبار بعد أن اندرست الأنباء الصحيحة فعم فيها الخلط والتخريص وشاعت فيهم الأكاذيب والأساطير، فاقتضت حكمة الله ومشيئته أن تؤتى البشرية المنهج الجديد، يكون فيه الخبر الصادق اليقين، ويعيد البشرية إلى المحجة البيضاء، ويحمل لها قواعد الخير والحق والعدل.
قوله: {وَمَا كُنتَ ثَاوِيًا فِي أَهْلِ مَدْيَنَ تَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا وَلَكِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ} {ثَاوِيًا} ، مقيما - والمثوى، معناه المنزل وجمعه المثاوي - ثوي المكان يثوي به ثواء؛ أي أطال الإقامة فيه 38 والمعنى: ما كنت يا محمد مقيما في {أَهْلِ مَدْيَنَ} وهم قوم شعيب عليه السلام، والمؤمنون معه تقرأ عليهم آياتنا حين أخبرت عن نبيها شعيب وما قصه على قومه وما كان من ردهم عليه {وَلَكِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ} لكنا نحن أرسلناك وقصصنا عليك من أخبارهم وحيا.
قوله: {وَمَا كُنتَ بِجَانِبِ الطُّورِ إِذْ نَادَيْنَا} أي لم تكن يا محمد بجانب الطور وقت ندائنا موسى {إني أنا الله رب العالمين} أو وقت إنزال التوراة عليه وإرساله للناس رسولا.
قوله: {وَلَكِن رَّحْمَةً مِّن رَّبِّكَ} {رحمة} ، منصوب على المصدر، أي ولكن رحمناك رحمة - وقيل: منصوب على أنه خبر كان مقدرة - وتقديره: ولكن كان رحمة من ربك - وقيل: منصوب على أنه مفعول لأجله - وتقديره: ولكن فعل ذلك لأجل الرحمة 39 والمعنى: ولكن أرسلناك يا محمد بالقرآن وفيه إخبار لقومك عن أنباء النبيين السابقين وقصص الأمم الغابرة، رحمة من الله بك وبالعباد، إذ تنذرهم بالقرآن وتعلمهم ما لم يكونوا يعلمون من قبل أن تأتيهم؛ إذ لم يأتهم قبلك من نذير وذلك في زمان الفترة بينك وبين المسيح وهي خمسمائة وخمسون سنة.
قوله: {لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ} أي يعتبرون ويتعظون بإنذارك لهم وبما تتلوه عليهم من الآيات البينات.
قوله: {وَلَوْلا أَن تُصِيبَهُم مُّصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَيَقُولُوا رَبَّنَا لَولا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ} {لولا} ، الأولى امتناعية - أي امتناع لوجود - و {أن} وما بعدها في موضع رفع بالابتداء؛ أي {ولولا} إصابتهم المصيبة - فيقولوا: معطوف على {تُصِيبَهُم} ولولا الثانية، تحضيض {فَنَتَّبِعَ} : جواب التحضيض ومنصوب بإضمار أن - والفاء في جواب الأمر 40 والمعنى: لولا قولهم إذا أصابتهم عقوبة بسبب كفرهم ومعاصيهم، ربنا هلا أرسلت إلينا رسولا يبلغنا آياتك فنتبعها ونكون من المصدقين لما أرسلناك إليهم - وإنما أرسلناك إليهم قطعا لمعاذيرهم وإلزاما للحجة عليهم 41.