للمظلوم من الظالم.
وعلى أية حال فإن الضرب إن وقع فهو مشروط فلا يكون فيه خدش للجسم أو كسر للعظم ولا لطم للوجه فإن الوجه موضع احترام فلا يجوز ضربه - يقول النبي (ص) فيما رواه مسلم عن جابر:"اتقوا الله في النساء، فإنكم أخذتموهن بأمانة الله، واستحللتم فروجهن بكلمة الله ولكم عليهن ألا يوطئن فرشكم أحدا تكرهونه فإن فعلن فاضربوهن ضربا غير مبرّح"والتبريح ما أدى إلى الكسر أو الجرح.
وجدير بالقول كذلك أنه يحسن الاصطبار على نشوز الزوجة وعدم ضربها فهو أفضل من الوجهة الشرعية لعموم حديث النبي (ص) :"ما أكرمهن إلا كريم وما أهانهن إلا لئيم".
وقوله: (فإن أطعنكم فلا تبغوا عليهن سبيلا إن الله كان عليا كبيرا) إذا عادت المرأة إلى طاعة الزوج وأقلعت عن النشوز والعصيان فليس للزوج بعد ذلك أن يلحق بها أذى أو ظلما بقول أو فعل - وهو لم يبق له بعد عودتها للطاعة سبيل عليها كيلا يحيف عليها في ظلم وإن اقترف شيئا من ذلك فإن الله كبير ومنتقم وهو سبحانه يتوعد المخالفين عن أمره توعدا.
قوله تعالى: (وإن خفتم شقاق بينهما فابعثوا حكما من أهله وحكما من أهلها إن يريدا إصلاحا يوفق الله بينهما إن الله كان عليما خبيرا) - خفتم بمعنى: علمتم - والشقاق من الشق وهو يعني الجهة أو الناحية - فكأن كلا من الزوجين يأخذ شقا غير شق صاحبه أو يكون على ناحية مقابلة ومخالفة للناحية التي انتحاها الآخر - وقد أضيف المصدر إلى الظرف المكاني وذلك كقوله تعالى: (بل مكر الليل والنهار) أو كقولنا:"صوم يوم عرقة".
والمخاطب في الآية هم الولاة والأمراء - وقيل: الخطاب موجه للأولياء - والقول الأول هو الراجح وهو قول الجمهور - أما المخاطب في قوله: (إن يريدا إصلاحا) قيل: الحكمان - وقيل: الزوجان - ومعنى الآية: إنكم إذا علمتم بوقوع خلاف وتنافر بين الزوجين فابعثوا حكمين من أجل الإصلاح بينهما بحيث يكون الحكم الأول من أهل الزوج والحكم الثاني من أهل الزوجة على أن تتحروا عدالة هذين الحكمين وأنهما من ذوي السيرة الحسنة الحميدة - وإذا لم يوجد من أهل الزوجين من تتوفر فيه هذه الأوصاف وجب اصطفاؤهم من غير أولي القربى على أن يكونا من أهل العدل والعلم والتقوى.
أما مهمة هذين الحكمين فإنها الإصلاح بين الزوجين المتناشزين المتنافرين - حتى إذا اجتمع كل حكم بمن يليه في القربى حدثه حديث العظة والتذكير، ورغّبه في موادّة زوجه، ونفّره من فداحة التفريق عسى أن يكون في هذا الحديث الحسن الرؤوف ما يؤلف بين القلبين المتباغضين وما يكون سببا في إذهاب النشوز والبغضاء وتحقيق التآلف والمودّة فيعودان زوجين مؤتلفين متحابين.