فهرس الكتاب

الصفحة 471 من 2536

فإذا نشزت المرأة في عصيان لبعلها ليس له أن يبادر ليوقع الطلاق فإن ذلك أسلوب عقيم ومشنوء وهو كذلك مبغض للرحمن - بل إن الزوج في هذه الحال يتذرع بالصبر وسعة الصدر وطول الاحتمال ليبادر زوجته بالكلام المؤثر الحاني فيما يستغدق منها فائض حنانها وزاخر عاطفتها - وفي ذلك من الأسلوب الكريم ما عساه يستعيد المرأة إلى حظيرة الزوجية في طاعة وافية، وعشرة هانئة راضية - ومما لا ريب فيه أن الكلمة المؤثرة الطيبة لهي أشد ما تكون نافعة ونافذة حتى تجد سبيلها إلى عميق القلب بما يحمل الإنسان على التغيير من مواقفه تغييرا كبيرا - وتلك هي حال الإنسان ذي العاطفة والوجدان فإنه يؤثر فيه الكلمة لتنقله من حال إلى حال - يستوي في ذلك أن تكون الكلمة طيبة أو سيئة قاسية - ولا نفترض أن الناس جميعا تأخذهم الكلمة الطيبة لتنفذ إلى قلوبهم نفاذا ثم لتقلب فيهم المزاج قلبا - ولو صح هذا الافتراض لصح معه التصور بأن الناس جميعا قد جاءوا على نمط واحد من التركيبة النفسية والروحية وأنهم لا توجد بينهم شذرة من افتراق في الطبع أو الفطرة - وعلى هذا فإنه لا مناص من أن يكون ثمة علاج ثان ليس من جنس الأول - فقرر القرآن أن يكون هذا العلاج مخاطبا للأنوثة في صميمها بما يقضها بهزة نفسية بالغة قد تكون أشد على المرأة من أسلوب الوعظ والكلام الحسن - والعلاج هنا هو الهجر في المضاجع - بمعنى الابتعاد عن التلاقي في الفراش وعدم المسيس (الجماع) فعسى أن يكون في ذلك من القسوة النفسية ما يحمل الزوجة على الإقلاع عن مناشزة زوجها والاستكبار عليه - لكن ثمة عناصر أخرى من النساء اللواتي يختلفن من حيث طبعهن ومزاجهن عن كثير من النساء بحيث لا يحقق الوعظ والهجران نجاعة أو عودا إلى الطاعة وحسن المعاشرة - وقرار الإسلام هنا أن يتحقق ذلك في الضرب المشروط بعدم التبريح - وهنا تقوم قائمة الحاقدين المبغضين أو المتعصبين والجهلة الذين يتصيدون المنافذ فيلجون منها إلى الإسلام ليشيروا من حوله الشبهات - وفي هذا الصدد يردون على المعالجة بالضرب لينفوا عنها نجاعة الأسلوب فضلا عن الأباطيل والأقاويل التي تقال في هذا المجال افتراء على الإسلام وتخريصا - أما بالنسبة للمعالجة بالضرب فما كان ذلك غريبا وما كان ليثير أدنى تساؤل أو امتعاض لو أن الأمر نوقش بإخلاص وتجرد وروية - لكن المتسائلين المستغربين لهذا الإجراء (الضرب) لا يفارقهم التعصب أو الجعل بحقيقة الإنسان - ذلك أن الضرب وسيلة للمعالجة تدخل في جملة الوسائل العلاجية المتعددة - وما الضرب إلا إحدى هذه الوسائل باعتباره الرادع المناسب والذي يستقيم به الطبع الناشز أو الخلق الذي سيم الميل والانحراف - على أن الضرب لا يقصد به الانتقام أو إشفاء الغليل ولا هو نتيجة لكراهية وحقد - ليس في وسيلة الضرب شيء من ذلك ولكنه مجرد وسيلة للعلاج باتت هي الاكثر ملاءمة للموقف الحاصل أو هو سبب يتحقق به التأديب و العود إلى الصواب والاستقامة - وقد يعرض لمتسائل هذا السؤال: أفلا يجوز للزوجة أن تعاقب زوجها بالضرب حال سفهه أو تجاوزه عليها، وللإجابة نقول: إذا ما تحقق ذلك فإنه سيكون قلبا للاعتبارات والموازين رأسا على عقب مثلما يضرب المرؤوس رئيسه أو الجندي ضابطه في الكتيبة أو الميدان، إن ذلك يعني التشويه الممجوج للصورة في حقيقتها ووجهها الناصع أو يعني المخالفة الصريحة لأبسط قواعد التربية والمنطق - فالمرؤوس لا يؤدب رئيسه بالضرب وليس للابن أن يعاقب أباه بحجة التأديب - ليس الأمر كذلك إلا أن يقع شيء من ظلم، فإن وقع ظلم كان للمظلوم أن يرفع ظلامته للقضاء ليباشر دوره في التحقيق وإحقاق الحق، كما لو كان قصاصا ينبغي أن يقاد فيه

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت