وروى الإمام أحمد عن عياض بن حمار أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خطب ذات يوم فقال في خطبته:"إن ربي عز جل أمرني أن أعلمكم ما جهلتم مما علمني في يومي هذا: كل ما نحلته عبادي حلال، وإني خلقت عبادي حنفاء كلهم، وإنهم أتتهم الشياطين فأضلتهم عن دينهم وحرمت عليهم ما أحللت لهم، وأمرتهم أن يشركوا بي ما لم أنزل به سلطانا".
قوله: {لاَ تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ} أي لا تغيير لدين الله، أو لا تبديل لهذه الفطرة التي فطر الله الناس عليها وهي الإسلام، أو عقيدة التوحيد أو الإيمان بالله وحده لا شريك له.
قوله: {ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ} الإشارة، تعود إلى إقامة الوجه للدين حنيفا غير مبدّل ولا محرّف - الدين القائم على الحنيفية الكاملة والتوحيد الخالص لله - وذلك هو {الدِّينُ الْقَيِّمُ} أي الدين المستقيم الذي لا عوج فيه ولا ضلال، وهو دين الإسلام - لا جرم أن دين الإسلام بني على التوحيد، بعيدا عن كل ظواهر الإشراك أو الضلالة أو الباطل - الإسلام قد جيء به ملائما لطبائع البشر التي جُبلوا عليها وملائما لفطرة الإنسان السليمة من الخلل والشذوذ؛ فهو وحده الذي يراعي حقيقة الإنسان بكل مركباته النفسية والعقلية والروحية والجسدية - وما من ملة أو عقيدة أو مذهب دون الإسلام إلا بني على أحد الخطأين أو كليهما وهما الإفراط والتفريط - لكن الإسلام جاء منافيا كل المنافاة هذين الخطأين؛ فلا هو يرتضي لأهله الإفراط، وكذلك لا يقبل لهم التفريط - وإنما هو المنهج المعتدل المستقيم الوسط الذي تصلح عليه البشرية طوال الزمن لو سلمت من أفاعيل الشياطين الذين يقطعون الليل والنهار وهم يأتمرون بالبشرية لتدميرها وإفسادها وإشاعة الكفر والضلال والرذيلة فيها.
قوله: {وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ} أكثر الناس لا يعلمون الحق ولا يدرون حقيقة الصواب، وهم غير موقنين أنهم مبطلون أو أنهم سائرون سادرون في العمه والعوج والباطل.
إن جُل البشرية مجانب لمنهج، بعيد عنه بعدا كبيرا - والبشرية في جفوتها الكبيرة هذه قد ركنت إلى الشياطين الذين يسولون لهم الشر والرذيلة وفعل المعاصي، وينفرونهم أشد تنفير من عقيدة التوحيد، ومنهج الحق والفضيلة - وذلك بما برعوا فيه من تخطيط للإضلال والإغواء، فهم جادون ناشطون في أساليب التحيل على البشرية بمختلف الأساليب والوسائل الإعلامية والثقافية والفكرية، لإفساد عقيدتها وتدمير قيمها ونسف حضارتها الناصعة الخيّرة نسفا.
قوله: {مُنِيبِينَ إِلَيْهِ} {مُنِيبِينَ} ، منصوب على الحال من ضمير {فأقم} - وقد جمع حملا على المعنى؛ لأن الخطاب للرسول صلى الله عليه وسلم، والمراد به أمته 27؛ أي تائبين إلى الله، راجعين إليه، مقبلين عليه بالطاعة.
قوله: {وَاتَّقُوهُ} أي خافوه بالتزام أوامره واجتناب مناهيه وزواجره.
قوله: {وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ} خص الصلاة بالذكر من بين العبادات المفروضة بسبب أهميتها وجليل قدرها وعظيم شأنها؛ فهي عماد الدين كله، ولا يتردد الناس في أداء الصلوات أو يثنون عنها إلا بكلال عزائمهم وهممهم، وفتور العقيدة والتقوى في قلوبهم.
قوله: {وَلاَ تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ} وذلك بالفسق عن أمر الله ومخالفة دينه، والركون إلى ملل الكفر والباطل.