قوله: (وجعلنا على قلوبهم أكنة أن يفقهوه) (أكنة) ، جمع كنان وهو ما يستر الشيء؛ فقد جعل الله على قلوب الظالمين الجاحدين أغشية كثافا لئلا يفهموا القرآن أو يدركوه ويعوا ما فيه من عظيم المعاني (وفي آذانهم وقرا) جعل الله في آذانهم صمما وثقلا كيلا تسمع هذا القرآن سماعا يفضي إلى هدايتهم؛ فهم بفطرهم الزائغة وقلوبهم الغُلف لا يطيقون سماع هذا الكلام العجيب وما حواه من كريم المعاني والأفكار.
قوله: (إذا ذكرت ربك في القرآن وحده ولو على أدبارهم نفورا) (وحده) ، مصدر سد مسد الحال - وأصله وحد يحد وحدا - ووحده بمعنى واحدا - والمعنى: أن المشركين لفرط حقدهم وكراهيتهم للإسلام لا يطيقون سماع الحق الماثل في شهادة لا إله إلا الله - فإذا قلت وأنت تتلو القرآن: لا إله إلا الله (ولو على أدبارهم نفورا) أدبروا نافرين نفورا؛ أي خرجوا مبغضين قالين 59.
قوله: (نحن أعلم يما يستمعون به إذ يستمعون إليك) (به) ، في موضع الحال؛ أي نحن أعلم يا محمد بالحال أو الطريقة التي يستمعون بها القرآن وهي السخرية والتهكم والتكذيب (إذ يسمعون إليك) في موضع نصب بأعلم؛ أي أعلم وقت استماعهم بما به يستمعون إليك.
قوله: (وإذ هم نجوى) وأعلم بما يتناجون به في أمرك؛ إذ قالوا فيما بهم إنه ساحر - وإنه مجنون - وإنه كاهن - وإنه شاعر - وغير ذلك من أباطيل المشركين.
قوله: (إذ يقول الظالمون إن تتبعون إلا رجلا مسحورا) وهو قول الكبراء والسادة من المشركين؛ إذ قالوا للناس: إنكم لا تتبعون إلا رجلا قد خبله السحر فاختلط عليه عقله - وذلك ليشيعوا من حوله الشكوك والأباطيل فينفر عنه الناس نفورا.
قوله: (انظر كيف ضربوا لك الأمثال) الأمر للتعجب؛ إذ يعجّب الله نبيه (ص) من سلوك المشركين الخبيث ومن فساد صنعهم وفرط كراهيتهم لهذا الدين المبارك؛ فقد افتروا الكذب والأباطيل على رسول الله (ص) ؛ إذ قالوا عنه: كاهن وساحر وشاعر ومجنون (فضلوا فلا يستطيعون سبيلا) أي زاغوا عن المحجة المستقيمة البيضاء، محجة الإسلام المشرق الوضاء سادرين تائهين حيارى لا يهتدون إلى حق ولا صواب 60.
قوله تعالى: {وقالوا أإذا كنا عظاما ورزقنا أإنا لمبعوثون خلقا جديدا (49) قل كونوا حجارة أو حديدا (50) أو خلقا مما يكبر في صدوركم فسيقولون من يعيدنا قل الذي فطركم أول مرة فسينغضون إليك رؤوسهم ويقولون متى هو قل عسى أن يكون قريبا (51) يوم يدعوكم فتستجيبون بحمده وتظنون إن لبثتم إلا قليلا (52) } الاستفهام للإنكار؛ فقد قال الكافرون في تكذيب وجحود (أإنا كنا عظاما ورزقنا أئنا لمبعوثون خلقا جديدا) (خلقا) ، منصوب على الحال؛ أي مخلوقين مجددا - والمعنى: أإذا كنا في القبور عظاما وحطاما وقد أتى علينا البلى، هل نبعث من جديد يوم القيامة - وذلك إنكار منهم للبعث والمعاد، ولا يحفزهم للنطق بهذه المقالة إلا هو أن أحلامهم وفرط كراهيتهم للإسلام ورسوله الأمين.