فهرس الكتاب

الصفحة 127 من 2536

وعن حقيقة الاستسلام لله والإذعان له بالعبودية والامتثال يجيب بنو يعقوب أباهم {ونحن له مسلمون} أي عابدون خاضعون ممتثلون - وفي ذلك من الدلالة على أن النبيين جميعا مسلمون، وأن أتباعهم وأشياعهم والذين آمنوا برسالاتهم واتبعوهم- غير مشركين ولا محرفين- كذلك مسلمون - ذلك ما يفرضه مفهوم العبارة وحقيقة المدلول الواضح السليم لكلمة الإسلام بما يعنيه من امتثال وخضوع واستسلام لله وحده 121.

قوله تعالى: {تلك أمة قد خلت لها ما كسبت ولكم ما كسبتم ولا تسألون عما كانوا يعملون} (تلك) اسم إشارة في محل رفع على الابتداء،

(أمة) خبر مرفوع - والجملة الفعلية بعده نعت - و (خلت) بمعنى مضت، ويراد بالأمة المشار إليها والتي مضت هي آباء بني إسرائيل من النبيين مثل إبراهيم وإسحاق ويعقوب وغيرهم - فقد كان بنو إسرائيل يركنون إلى انتسابهم إلى آبائهم من النبيين والمرسلين، ويفاخرون الناس بهذا الانتساب، فبينت لهم هذه الآية أن السابقين من النبيين والصالحين قد مضوا، وأن ما كسبوه من عمل فهو لهم وليس بعائد عليكم، وأنه لن ينفعكم إلا ما قدمتموه لأنفسكم من أعمال.

وكذلك فإن أحد من أولئك لن يحمل من أوزاركم شيئا، وأن ما تقارفونه من الآثام والفسق والمعاصي إنما يحيق بكم وحدكم، ولن يغني عنكم أسلافكم من ذلك شيئا - وفي ذلك يقول سبحانه: {ولا تزر وازرة وزر أخرى} أي لا تحمل نفس ما اقترفه نفس أخرى من مخالفات وسيئات.

وكذلك الذي ورد في الحديث المرفوع"من أبطأ به عمله لم يسرع به نسبه"فإن كانت كفة الأعمال للمرء مرجوحة، فلن يشفع له أن يكون ذا نسب رفيع مشهور؛ إذ لا قيمة لا عتبارات الحسب أو النسب أو العصبية كيفما كان نوعها أو صورتها، ولكن الاعتبار كله للعمل الصالح المشروع الذي تسبقه النية الحسنة والإخلاص الكامل لله وحده.

وعلى هذا فإن ما قدمه السلف من خير العمل ليس عائدا إلا عليهم أنفسهم، وإن كان الذي قدموه شرا فهو عليهم وحدهم ولا يسأل عنه الخلف وفي هذا يقول سبحانه: {ولا تسألون عما كانوا يعملون} .

قوله تعالى: {وقالوا كونوا هودا أو نصارى تهتدوا قل بل ملة إبراهيم حنيفا وما كان من المشركين قولوا آمنا بالله وما أنزل إلينا وما أنزل إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط وما أوتي موسى وعيسى وما أوتي النبيون من ربهم لا نفرق بين أحد منهم ونحن له مسلمون فإن آمنوا بمثل ما آمنتم به فقد اهتدوا وإن تولوا فإنما هم في شقاق فسيكفيكم الله وهو السميع العليم} .

ذكر عن ابن عباس في سبب نزول الآية الأولى أن عبد الله بن صوريا الأعور اليهودي قال لرسول الله (صلى الله عليه وسلم) : ما الهدى إلا ما نحن عليه فاتبعنا يا محمد تهتد - وقالت النصارى مثل ذلك، فأنزل الله هذه الآية: (وقالوا كونوا هودا أو نصارى تهتدوا) وهود مفردها يهودي، ونصارى مفردها نصراني - وكلا الفريقين أهل كتاب وهم جميعا من المشركين الذي زعموا أن لله شريكا؛ إذ قالت اليهود: {عزير ابن الله وقالت النصارى المسيح ابن الله} وكل فريق من هذين الفريقين يظن أنه على الحق، فهو بذلك يتجرأ في حماقة بالغة وسفه فاضح ليدعو النبي محمدا (صلى الله عليه وسلم) والمسلمين فيكونوا من اليهود أو النصارى - لاجرم أن هذا الاجتراء المتوقح لهو غاية في النكر وفساد السجية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت