فهرس الكتاب

الصفحة 1402 من 2536

روى البخاري ومسلم والترمذي عن عبد الله بن مسعود في هذه الآية قال: بينا أنا أمشي مع النبي (ص) في حرث وهو متوكئ على عسيب؛ إذ مر اليهود فقال بعضهم لبعض: سلوه عن الروح - فقالوا: ما رابكم إليه؟ - أي ما الذي دعاكم إلى مثل هذا السؤال؟ فقد يجيبكم بما يسوءكم- فقالوا: سلوه، فسألوه عن الروح - فأمسك النبي (ص) فلم يرد عليهم شيئا - فعلمت انه يوحى إليه - فلما نزل الوحي قال: (ويسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربي) ويفهم من ذلك أن هذه الآية مدنية؛ فإن اليهود قد سألوا النبي (ص) عن ذلك بالمدينة مع أن السورة كلها مكية - والجواب عن هذا: أن هذه الآية ربما نزلت على الرسول (ص) بالمدينة مرة ثانية - كما نزلت عليه بمكة قبل ذلك 102 وقد اختلف العلماء في المراد بالروح المسؤول عنه؛ فقد قيل: إنه جبريل عليه السلام - وهو الوحي الأمين، والملك الهائل العظيم - وقيل: هو عيسى، المسيح ابن مريم، نفخة من روح الله وكلمته ألقاها إلى مريم البتول - وقيل: إنه القرآن؛ فهو كلام الله العجيب الذي ليس له في الكلام نظير - وهو روح يسري في كيان الإنسان فيؤزه إلى الإيمان وعمل الصالحات والطاعات أزًّا - وقيل: المراد بالروح هنا: ما به حياة الإنسان - وهو الراجح والمختار؛ فقد سألوا رسول الله (ص) عن ماهية الروح التي تعمر الإنسان وتنتشر في كيانه كله - والروح بهذا المعنى هو قول أكثر العلماء - فالروح سر الحياة وسببها الذي يعز على الذهن الوقوف على حقيقته وجوهره ولا ندري عن حقيقة الروح شيئا إلا ما نحسه من آثار وظواهر تدل على وجود هذا الكائن المبهم - ولذلك قال سبحانه: (قل الروح من أمر ربي وما أوتيتم من العلم إلا قليلا) الأمر، هنا معناه الفعل؛ أي قل لهم: إن الروح من فعل الله، وهي واقعة حادة وبتخليق الله وتكوينه، وهي من الأمر الذي لا يعلمه إلا هو سبحانه دونكم؛ فأنتم لا تعلمون ذلك.

قوله: (وما أوتيتم من العلم إلا قليلا) المراد جميع الخلق وليس طائفة خاصة من البشر؛ فالناس جميعا لم يؤتوا من العلم إلا قليلا من كثير مما في علم الله - فعلمه واسع وشامل وقديم لا يدركه أو يحيط به من المخاليق أحد - وإنما يعلم الله وحده 103.

قوله تعالى: {ولئن شئنا لنذهبن بالذي أوحينا إليك ثم لا تجد لك به علينا وكيلا (86) إلا رحمة من ربك إن فضله كان عليك كبير (87) } اللام الأولى في قوله: (ولئن) موطئة للقسم - وجوابه (لنذهبن) وهو ناب مناب جواب الشرط - والمراد بالذي أوحينا إليك، القرآن - وقد عبر عنه بالاسم الموصول على سبيل التفخيم والتعظيم لشأنه - والمراد بالذهاب به: محوه وإزالته من القلوب والمصاحف - ثم لا تجد بعد ذلك متعهدا يلتزم استرداده بعد زواله كما يلتزم الوكيل فيما وكل به.

قوله: (إلا رحمة من ربك) (رحمة) ، استثناء منقطع - وهي تتقدر بلكن الاستدراكية - أو بل - وقيل: استثناء متصل، لاندراجها في قوله: (وكيلا) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت