فهرس الكتاب

الصفحة 1579 من 2536

قوله تعالى: {ولقد أرسلنا نوحا إلى قومه فقال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره أفلا تتقون (23) فقال الملأ الذين كفروا من قومه ما هذا إلا بشر مثلكم يريد أن يتفضل عليكم ولو شاء الله لأنزل ملائكة ما سمعنا بهذا في آبائنا الأولين (24) إن هو إلا رجل به جنة فتربصوا به حتى حين (25) } هذا تذكير من الله للعباد بقصة أبي البشر الثاني نوح عليه السلام؛ إذ أرسله الله لقومه المشركين الطغاة الذين غلوا في الكفر والعصيان وعتوا عن أمر الله عتوا كبيرا، فكذبوا نبيهم نوحا وآذوه إيذاءا شديدا طيلة قرون مديدة من الزمان، وهو فيها يدعوهم إلى عبادة الله وحده، ويحذرهم بطشه ويخوفهم عذابه الشديد - وهو قوله: (فقال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره) ليس لكم من معبود سوى الله؛ فهو خالقكم ورازقكم وهاديكم إلى سواء السبيل، فاعبدوه وحده وانبذوا ما تعبدون من دونه من الآلهة المزعومة المفتراة (أفلا تتقون) أفلا تخشون أن ينزل بكم عذاب الله إن عصيتم أمره وكذبتم رسوله.

قوله: (فقال الملأ الذين كفروا من قومه ما هذا إلا بشر مثلكم) المراد بالملأ، سادة القوم وكبراؤهم؛ فهم طليعة المكذبين المجرمين، قالوا لقومهم الضالين السفهاء عن نبيهم نوح: بيس هذا إلا واحدا من البشر يتصرف كما يتصرف البشر؛ فهو مساويهم في البشرية (يريد أن يتفضل عليكم) أي يبتغي بما جاءكم به أن يكون له الفضل والكبرياء والرئاسة عليكم (ولو شاء الله لأنزل ملائكة) أي لو شاء الله أن يرسل إلينا رسولا لأنزل من الملائكة من يضطلع بهذه الوجيبة - والأعجب من سفاهة هؤلاء التاعسين الضالين أنهم رضوا بألوهية الحجر وكذبوا بنبوة البشر - إن ذلكم لهو السفه المطبق والعمه المبين.

قوله: (ما سمعنا بهذا في آبائنا الأولين) أي ما سمعنا ببعث رسول من البشر في آبائنا وأجدادنا السالفين - وهذا افتراء منهم وبهتان؛ فقد سبقت نبوة إدريس وآدم عليهما الصلاة والسلام ولم تكن المدة بينهم وبين نبوتهما متطاولة لينسوا - ولكنه الجنوح إلى الضلال والضلوع في الظلم والباطل.

قوله: {إن هو إلا رجل به جنة فتربصوا به حتى حين} أي ما هذا الذي جاءكم بما يزعم إلا رجلا أصابه جنون فانتظروا حتى ينجلي أمره ويتضح خبره وعاقبة أمره فتروا ما أنتم فاعلون به

قوله تعالى: (قال رب انصرني بما كذبون(26) فأوحينا إليه أن اصنع الفلك بأعيننا ووحينا فإذا جاء أمرنا وفار التنور فاسلك فيها من كل زوجين اثنين وأهلك إلا من سبق عليه القول منهم ولا تخاطبني في الذين ظلموا إنهم مغرقون (27) فإذا استويت أنت ومن معك على الفلك فقل الحمد لله الذي نجانا من القوم الظالمين (28) وقل ربي أنزلني منزلا مباركا وأنت خير المنزلين (29) إن في ذلك لآيات وإن كنا لمبتلين (30) .

عندما أيس نوح من قومه الظالمين دعا ربه بأن ينصره عليهم ويظفره بهم بسبب تكذيبهم له - وهو قوله: (انصرني بما كذبون) أي أبدلني من غم تكذيبهم وجحودهم سلوى النصر عليهم - كما نقول: أبدلني هذا بهذا - أو انصرني بإنجاز ما وعدتهم من العذاب؛ لأن في أهلاكهم نصرا له.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت