فهرس الكتاب

الصفحة 1031 من 2536

قوله تعالى: {ولئن سألتهم ليقولن إنما كنا نخوض ونلعب قل أبالله وآياته ورسوله كنتم تستهزئون 65 ولا تعتذروا قد كفرتم بعد أيمانكم إن نعف عن طائفة منكم نعذب طائفة بأنهم كانوا مجرمين} روي عن زيد بن أسلم أن رجلا من المنافقين قال لعوف بن مالك في غزوة تبوك: ما لقرائنا هؤلاء أرغبنا بطونا، وأكذبنا ألسنة، وأجبننا عند الله، فقال له عوف: كذبت؛ ولكنك منافق، لأخبرن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فذهب عوف إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يخبره فوجد القرآن قد سبقه، فقال زيد: قال عبد الله بن عمر: فنظرت إليه متعلقا بحقب 139 ناقة رسول الله صلى الله عليه وسلم تنكبه الحاجرة يقول: غنما كنا نخوض ونعلب - فيقول له النبي صلى الله عليه وسلم: (أبالله وآياته ورسوله كنتم تستهزئون) .

وعن قتادة قال: بينا رسول الله صلى الله عليه وسلم يسير في غزوته إلى تبوك وبين يديه ناس من المنافقين قالوا: أيرجو هذا الرجل أن يفتح قصور الشام وحصونها هيهات هيهات - فأطلع الله نبيه صلى الله عليه وسلم: (احبسوا علي هؤلاء الركب) فأتاهم - فقال: (قلتم كذا - قلتم كذا) قالوا: يا نبي الله إنما كنا نخوض وتلعب - فأنزل الله تبارك وتعالى فيهم ما تسمعون 140.

والخوض، أصله الدخول في مائع كالماء والطين - ثم كثر استعماله حتى أطلق على كل دخول فيه تلويث وأذى؛ أي كنا نخوض في الباطل.

قوله: {قل أبالله وآياته ورسوله كنتم تستهزئون} استفهام يستنكر فعل المنافقين؛ إذ كانوا يتهكمون ويستهزئون بالله وكتابه ورسوله.

وعلى هذا فإنه لا يسخر من آيات الله أو بعض آياته أو من نبيه صلى الله عليه وسلم إلا كان كفور أثيم؛ فإن ذلك خوض في دين الله بالباطل، يستوي في ذلك ما لو كان الخوض على سبيل الجد أو الهزل؛ فإن ذلكم كله كفر بغير خلاف.

قوله: {لا تعتذروا قد كفرتم بعد إيمانكم} أي لا تعتذروا بالباطل فتقولوا: كما نخوض ونعلب، أو لا تذكروا هذا العذر الباطل في دفع ذلك الجرم الفظيع - وبذلك نهاهم عن الاعتذار؛ لأن قولهم {إنما كنا نخوض ونلعب} لي عذرا حقيقيا في الذين فعلوه من الاستهزاء والتهكم.

وقوله: {قد كفرتم بهد إيمانكم} أي إيمانكم الذي أظهرتموه للمسلمين؛ فقد ظهر لكم كفركم بعد أن كنتم في ظنهم مسلمين.

ويستفاد من ذلك أن الاستهزاء بالدين كفر بالله؛ لأن الاستهزاء ضرب من الاستخفاف وهو خلاف ما يستوجبه الله على العباد من تعظيمه - والجمع بين الاستخفاف والتعظيم محال - ويستفاد أيضا أن الكفر يقع بالأفعال والأقوال من غير اشتراط لنوايا القلوب، وهذا يدل على بطلان قول من يقول إن الكفر لا يدخل إلا في أفعال القلوب 141.

قوله: {إن نعف عن طائفة منكم نعذب طائفة بأنهم كانوا مجرمين} يتبين من هذه الآية أن ثمة طائفتين، إحداهما، المعفو عنها، والثانية المعذبة - وقد ذكر المسفرون أن الطائفتين كانوا ثلاثة - استهزأ اثنان وضحك واحد، فالطائفة الأولى الضاحك، والطائفة الثانية الهازئان - ولما كان ذنب الضاحك أخف؛ فقد عفا الله عنه، وذنب الهازئين أعظم فما عفا الله عنهما.

قوله: {بأنهم كانوا مجرمين} أي نعذب الطائفة المستهزئة بما اكتسبوه من الجرم وهو الكفر بالله وطعنهم في رسول الله صلى الله عليه وسلم 142.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت