فهرس الكتاب

الصفحة 1808 من 2536

قوله: {قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ} الشكر لله وحده، والثناء عليه جل جلاله على ما أفاض به من الأدلة والبراهين على ظهور الحق و على بالغ قدرته ومشيئته - {بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ} أكثر هؤلاء المشركين لا يتدبرون الحجج والدلائل، ويحسبون -وهم يعبدون الأصنام لتقربهم إلى الله زلفى- أنهم على شيء، وهم في الحقيقة لا يفهمون أنهم موغلون في الجهالة والضلالة وأنهم صائرون إلى النار 45.

قوله تعالى: {وَمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ وَإِنَّ الدَّارَ الآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (64) فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ (65) لِيَكْفُرُوا بِمَا آتَيْنَاهُمْ وَلِيَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ} .

ذلك إخبار من الله تعالى عن هوان الدنيا وحقارتها وسرعة زوالها، وأنها ليست إلا الحطام الفاني الذي لا بقاء له ولا ديمومة، وهو ما يلبث أن يتبدد ويذهب - والحياة الدنيا في خفة شأنها وبساطة اعتبارها أشبه بسحابة تتراءى للناظرين ثم تزول وتنقشع - وأعظم ما توصف به الدنيا هو قول الله فيها {إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ} فهي للتلهي الذي ينشغل به القلب والذهن - وللعب الذي يغتر به اللاهون والواهمون والغافلون من الناس.

قوله: {وَإِنَّ الدَّارَ الآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ} المراد بالحيوان الحياة - والمعنى: أن الدار الآخرة حيث الجنة ذات النعيم المقيم لهي دار الحياة الدائمة التي لا تزول ولا تفنى {لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ} أي لو كان المشركون يعلمون أن الأمر كذلك لما أشركوا مع الله في عبادتهم أحدا ولما تلبسوا بالمعاصي والخطيئات - لكنهم لا يعلمون أن الأمر كذلك فهم موغلون في جهالاتهم وسفاهاتهم.

قوله: {فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ} ذلك وصف حقيقي كامل لخلق المشركين وحقيقة حالهم وهم راكبون السفن وسط البحر الهادر المتلاطم حتى إذا أخذت السفن تتأرجح بهم وتضطرب فتوشك أن تهوي أو تغرق أخذتهم غاشية داهمة مفرطة من الفزع والإياس والذهول، وحينئذ يتجردون من شركهم المفترى؛ ويتبرءون من أصنامهم ووثنيتهم الضالة العمياء، ويجأرون إلى الله بالدعاء؛ أن ينقذهم من الموت المحدق، موقنين أن أصنامهم لا تجديهم نفعا ولا تملك لهم نجاة ولا خلاصا، وإنما ينجيهم الله وحده، خالق كل شيء، فهم في هذه الساعة العصيبة الرهيبة التي يوشك فيها أن يحاط بهم فيهلكوا، أخلصوا لله الدعاء وأفردوه بالوحدانية وأذعنوا له بالعبودية والاستسلام والاستغاثة دون آلتهم المصطنعة المزيفة.

وقد ذكر في هذا الصدد عن عكرمة بن أبي جهل أنه لما فتح رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة ذهب فارّا منها، فلما ركب في البحر ليذهب إلى الحبشة اضطربت بهم السفينة فقال أهلها: يا قوم أخلصوا لربكم الدعاء؛ فإنه لا ينجي ههنا إلا هو - فقال عكرمة: والله لئن كان لا ينجي في البحر غيره؛ فإنه لا ينجي في البر أيضا غيره - اللهم لك عليّ عهد لئن خرجت لأذهبن فلأضعن يدي في يد محمد فلأجدنه رءوفا رحيما - فكان كذلك.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت