قوله: {وفي الأرض آيات للموقنين} يبين الله أن في الأرض علامات ودلائل كثيرة مما خلقه من أصناف النبات والحيوان ومختلف الأجناس والألوان واللغات لدى البشر - وغير ذلك من ظواهر الطبيعة كالجبال والقفار والسهول والأنهار والبحار - كل أولئك دلائل وبينات على عظمة الخالق وعلى بالغ قدرته، يدركها الموقنون وهم أهل اليقين من العارفين المصدقين نبوة محمد صلى الله عليه وسلم - وقد خص الله الموقنين بالذكر، لأنهم أجدر أن ينتفعوا بالبينات والبراهين، وذلك لرجاحة عقولهم وسلامة طبائعهم وفطرهم.
قوله: {وفي أنفسكم أفلا تبصرون} وفي كيفية خلقكم آيات بينات ودلائل ظاهرة على عجيب صنع الله وبالغ قدرته - فقد خلقكم الله من تراب ثم من نطفة، ثم من علقة، ثم من مضغة وما يعقب ذلك من مراحل الحياة في بطون الأمهات،، ثم خروجكم إلى الدنيا بشرا تنتشرون على اختلاف ألوانكم وصوركم وألسنتكم - إلى غير ذلك من عجائب التكوين في باطن الإنسان كاختلاف الطبائع والفطر، وتفاوت العقول والفهوم والفطن - كل ذلك آيات في النفس البشرية {أفلا تبصرون} أي أفلا تنظرون في ذلك فتتفكروا وتوقنوا أن الله لهو الخالق وحده - فهو المتصف بصفات الكمال الذي لا معبود غيره ولا رب سواه.
قوله: {وفي السماء رزقكم وما توعدون} المراد بالرزق هنا المطر، فهو بسببه يخرج
النبات والزرع والثمرات مما يطعم الناس ويقتاتون
وذلكم الرزق {وما توعدون} أي ما توعدون من خير وشر وقيل: الجنة والنار
وقيل: جزاء الأعمال من الثواب والعقاب.
قوله: {فورب السماء والأرض إنه لحق} يقسم الله بنفسه وهو خالق السماء والأرض ومالكهما على أن ما قاله للناس من أن رزقهم في السماء وما يوعدون من خير وشر، لهو حق {مثل ما أنكم تنطقون} مثل، منصوب على الحال - وما زائدة 8 - والمعنى أن هذا لهو الحق كما أنكم تتكلمون أو كمثل نطقكم.
وعن الأصمعي قال: أقبلت من جامع البصرة فطلع أعرابي على قعود له فقال: ممن الرجل؟ قلت: من بني أصمع - قال: من أين أقبلت؟ قلت: من موضع يتلى فيه كلام الرحمن - فقال: اتل علي منه شيئا - فقرأت {والذاريات ذروا} إلى قوله: {وفي السماء رزقكم} فقال: يا أصمعي حسبك! فقام إلى ناقته فنحرها ووزعها على من أقبل وأدبر - وعمد إلى سيفه وقوسه فكسرهما وولى - فلما حججت مع الرشيد طفقت أطوف - فإذا أنا بمن يهتف بي بصوت دقيق، فالتفت فإذا أنا بالأعرابي قد نحل واصفر، فسلم علي واستقرأ السورة - فلما بلغت الآية صاح وقال: قد وجدنا ما وعدنا ربنا حقا - ثم قال: وهل غير هذا - فقرأت فورب السماء والأرض إنه لحق مثل ما أنكم تنطقون فصاح وقال: يا سبحان الله من ذا الذي أغضب الجليل حتى حلف، لم يصدقوه بقوله حتى لجأوه إلى اليمين - قالها ثلاثا وخرجت معها نفسه 9.
قوله تعالى: {هل أتاك حديث ضيف إبراهيم المكرمين 24 إذ دخلوا عليه فقالوا سلاما قال سلام قوم منكرون 25 فراغ إلى أهله فجاء بعجل سمين 26 فقربه إليهم قال ألا تأكلون 27 فأوجس منهم خيفة قالوا لا تخف وبشروه بغلام عليم 28 فأقبلت امرأته في صرة فصكت وجهها وقالت عجوز عقيم 29 قالوا كذلك قال ربك إنه الحكيم العليم} .