لقد جمع الله بين قلوب العرب بعد أن كانت متنافرة متباغضة - وبعد أن كانوا على العصيبة الجاهلية المقيتة، المبينة على محض التعصب السخيف، التعصب للعائلة والعشيرة في كل الأحوال، سواء في الحق أو الباطل - لقد جمع الله بين الناس في زمن ما كان يشيع فيه غير الحمية الظالمة المجانبة لأبسط بدهيات المنطق أو التفكير السليم، والتي لا تعبأ بالحق أو الصدق أو العدل أيما إعباء - حتى إذا جاء الإسلام العظيم بعقيدته الكريمة الحليمة السمحة، وتشريعه الواسع الميسور، اجتمع الناس ليكونوا أمة واحدة متساندة متعاونة منسجمة تجمعها عقيدة التوحيد الخالص، ويوحدها الشعور الفياض بالإيمان بالله وبصدق رسوله الكريم صلى الله عليه وسلم - وهكذا يجمع الله بين الناس عقب تنافرهم وتناحرهم والتجافي بينهم - يجمعهم على العقيدة وحدها دون غيرها من الأسباب - ولن يستطيع أيما أحد أن يؤلف بين قلوب العباد مهما بذل من الأسباب لتحقيق هذا المقصود - وهو قوله: {لو أنفقت ما في الأرض جميعا ما ألفت بين قلوبهم} أي لو بذلت للتأليف بين قلوب العرب ملء الأرض من المال والذهب والعروض؛ لما جمعت بين قلوبهم بهذا السبب، ولما استطعت أن تبدد من قلوبهم رواسب المحبة الجاهلية وآثار التعصب الغاشم المنكود - ولا يغرن أحدا ما تتظاهر به الأمم فيما بينها من التئام وانسجام؛ فليس ذلك إلا الظاهر المموه المصطنع القائم على الأثرة المطلقة والتقديس الأكبر للأهواء والشهوات ومختلف المنافع الدنيوية العاجلة - ثم لا يلبث هؤلاء المتظاهرون أن يأتي عليهم الانهيار والدمار، أو التبدد والزوال ولو بعد حين.
قوله: {ولكن الله ألف بينهم} الله وحده الذي يجمع بين قلوب العباد لتكون متوادة متؤتلفة - وذلك بدينه الأكرم - دين الإسلام الذي جاء ليشيع المودة والرحمة بين الناس ولينشر في القلوب رباط المحبة والتآلف كيما يكون الناس جميعا على قلب رجل واحد فلا يجمعهم غير شعار العقيدة جامع - ولا يؤثر فيهم غير إحساس الإسلام - فلا يستجيبون بعد ذلك لنداءات الضلال والباطل - النداءات الظالمة المريبة التي يهتف بها الضالون المظلون من شياطين البشر - أولئك الذين تنثني صدورهم على الكيد للبشرية ليضلوها ضلالا، وليودوا بها متاهات الضياع والفساد والخسران.
قوله: {إنه عزيز حكيم} الله قوي لا يقهره شيء، بل إنه هو الذي يقهر كل أحد - وهو الذي يقهر أعداءه أعداء الدين من المخادعين والخائنين - وهو كذلك حكيم يعلم ما ينبغي أن تكون عليه الأفعال والأحكام والأمور 72.
قوله تعالى: {يا أيها النبي حسبك الله ومن اتبعك من المؤمنين 64 يا أيها النبي حرض المؤمنين على القتال إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مائتين وإن يكن منكم مائة يغلبوا ألفا من الذين كفروا بأنهم قوم لا يفقهون 65 الآن خفف الله عنكم وعلم أن فيكم ضعفا فإن يكن منكم مائة صابرة يغلبوا مائتين وإن يكن منكم ألف يغلبوا ألفين بإذن الله والله مع الصابرين} روي عن ابن عباس قوله: أسلم مع رسول الله صلى الله عليه وسلم تسعة وثلاثون رجلا، ثم إن عمر أسلم فصاروا أربعين، فنزل جبريل عليه السلام بقوله تعالى: {يا أيها النبي حسبك الله ومن اتبعك من المؤمنين} 73 - وروي عن عبد الله بن مسعود قال: ما كنا نقدر أن نصلي عند الكعبة حتى أسلم عمر - فلما أسلم قاتل قريشا حتى صلى عند الكعبة وصلينا معه - وكان إسلام عمر بعد خروج من خرج من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الحبشة.