وقال أبو سعيد الخُدري: رأيت النبي (ص) رافعا يديه يدعو لعثمان يقول:"يا رب عثمان إني رضيت عن عثمان فارض عنه"فما زال يدعو حتى طلع الفجر فنزله قوله تعالى: (الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله ثم لا يتبعون ما أنفقوا منا ولا أذى) 325 - وتتضمن الآية بعموم مدلولها عظيم الإطراء والثناء على المؤمنين الذين ينفقون أموالهم ابتغاء مرضاة الله، وذلك هو الإخلاص شرط القبول للأعمال، وهم كذلك، لا يُتعبون ما أنفقوا منّت ولا أذى - والمن هو ذكر النعمة على معنى التفضل والمفاخرة - نقول: مننت عليه منّا أي عددت له ما فعلت له من الصنائع - مثل أن تقول: أعطيتك، أو فعلت لك، أو أحسنت إليك ونحو ذلك 326.
وينبغي التحذير من المن فإنه من الكبائر وإنه يذهب بأجر الأعمال مهما عظمت - فقد روى النسائي عن ابن عمر قال: قال رسول الله (ص) :"ثلاثة لا ينظر الله إليهم يوم القيامة: العاقُّ لوالديه والمرأة المرتجلة تتشبه بالرجال والديوث، وثلاثة لا يدخلون الجنة: العاق لوالديه والمدمن الخمر والمنان بما أعطى".
وعن أبي الدرداء عن النبي (ص) قال:"لا يدخل الجنة عاق ولا منان ولا مدمن خمر ولا مكذب بقدر".
أما الأذى فالمراد به ما كان مقترنا بالمن بعد العطية مما يمس شعور الآخذين وذلك كأم يقول المعطي للآخذ: ما أشد إلحاحك، أو خلصنا الله منك، ونحو ذلك فإنه لا يعطي أحد من ماله في سبيل الله محتسبا غير متبع عطيته منّا ولا أذى إلا كان له به عند الله جزيل الثواب.
وقوله (ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون) أي لا يخافون يوم القيامة من عذاب النار كما يخاف الناس، فهم آمنون مطمئنون - وكذلك فإنهم لا يشعرون بالخزن والأسى لفراق الدنيا وما فيها من لذات وخيرات وذكريات وصحبة وذلك عند الموت؛ لما يرونه من نعيم مقيم أفضل مقبلون عليه بعد رحيلهم عن هذه الحياة العاجلة الفانية الدنيا.
قوله: (قول معروف ومغفرة خير من صدقة يتبعها أذى) (قول) مبتدأ مرفوع - (معروف) صفته (ومغفرة) معطوف على المبتدأ - والخبر (خير من صدقة) والجملة الفعلية في محل جر صفة لصدقة 327 - والقول المعروف يتناول الكلمة الطيبة تقال للسائل كالدعاء له بالصلاح والخير أو الرجاء له من الله أن يكتب له الخير واليسر - ولا ريب أن تكون الكلمة الطيبة على أية صورة كانت أفضل من التصدق يُبذل للسائل مع ما يرافقه من المن والأذية - يقول الرسول (ص) فيما أخرجه مسلم:"الكلمة الطيبة صدقة وإن من المعروف أن تلقى أخاك بوجه طلق".
وعن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه- قال: قال رسول الله (ص) :"إذا سأل السائل فلا تقطعوا عليه مسألته حتى يفرغ منها، ثم ردوا عليه بوقار ولين أو يبذل يسير أو رد جميل، فقد يأتيكم من ليس بإنس ولا جان ينظرون صنيعكم فيما وأصل المغفرة من الغفر ويعني الستر - والمراد به هنا الستر لحالة المحتاج والتغاضي عن السائل إذا ألح في مسألته أو أغلظ - فإن العفو والتسامح والستر والتجاوز من غير إعطاء خير من التصدق الذي يتبعه منّ وأذى."
قوله: (والله غني حليم) إنه جل جلاله غني عن العباد وعن صدقاتهم، وهو سبحانه رحيم بالضعفاء والمحاويج والسائلين، وسوف يغنيهم من فضله، فلا حاجة له في صدقات المنانين الذين يمحقون أجورهم بالمن والأذى - وهو سبحانه حليم فلا يعجل للمسيئين عقوباتهم ولا يبادرهم الجزاء، بل يمهلهم حتى إذا تابوا وأنابوا صفح عنهم وتجاوز عن خطيئاتهم.