فهرس الكتاب
قال صاحب الدر المصون في قوله: (فهو وليهم اليوم) ، يجوز أن تكون هذه الجملة حكاية حال ماضية؛ أي فهو ناصرهم - أو آتية - ويراد باليوم يوم القيامة - وهذا إذا عاد الضمير على (أمم) ، وهو الظاهر - وجوز الزمخشري أن يعود على قريش، فيكون حكاية حال في الحال، لا ماضية ولا آتية - وجوّز أن يكون عائدا على (أمم) ، ولكن على حذف مضاف تقديره: فهو ولي أمثالهم اليوم 66.
قوله: (ولهم عذاب أليم) ، أي: لهم عذاب النار يوم القيامة.
قوله: (وما أنزلنا عليك الكتاب إلا لتبين لهم الذي اختلفوا فيه) المراد بالكتاب القرآن - واللام في (لتبين) للتعليل؛ أي: إنما أنزلنا إليك هذا القرآن لتفصل به بين الناس في كل ما يتنازعون فيه ويختلفون، من الشرك والتوحيد وإثبات البعث والنشور ونفيهما، والجبر، وهو كون الإنسان مجبرا أو مكرها على صنع أفعاله - أو القدر، بسكون الدال، وهو خلاف الجبر - ومقتضاه أن الإنسان قادر على صنع أفعاله حرا ومختارا - وغير ذلك من الأحكام التي ابتدعوها، كتحريم البحائر والسوائب، وتحليل أكل الميتة والدم ولحم الخنزير، وما أهل به لغير الله، وغير ذلك من الأحكام - والقرآن في ذلك كله يقول الحق ويهدي إلى سواء السبيل - السبيل الواضح المستقيم الذي لا عوج فيه ولا خلل، ولا غلو ولا تفريط.
قوله: (وهدى ورحمة لقوم يؤمنون) (هدى ورحمة) ، منصوبان على أن كل واحد منهما مفعول لأجله - والناصب قوله: (أنزلنا) 67 - والمعنى: أن القرآن أنزل هداية للناس، وإخراجا لهم من ظلمات الباطل والضلال والجور، إلى نور الحق واليقين والعدل والسداد - وهو كذلك رحمة للناس بكل ما يحتمله لفظ الرحمة من معاني فضلى في الخير والبر والمودة والإيثار، وغير ذلك من معان يرسخها الإسلام في واقع المسلمين - وخص المؤمنين بالهدى والرحمة؛ لأنهم بتصديقهم ويقينهم والتزامهم منهج الإسلام يكونون هم المنتفعين بمزايا الهدى والرحمة ومقتضياتهما أكثر من غيرهما.
قوله: (والله أنزل من السماء ماء فأحيا به الأرض بعد موتها) ، وهذه من الدلائل على عظمة الخالق الذي أوجد كل شيء وأتقنه إتقانا؛ فقد أنزل الله بقدرته وإرادته المطر من السماء غيثا مغيثا طبقا؛ ليثير في الأرض النماء والبركة، وتنبعث في الناس ظواهر الخير والاستمتاع، وراغد الحياة وطيب العيش - وذلك هو مقتضى قوله: (فأحيا به الأرض بعد موتها) ، وموت الأرض كناية عن جفافها ويبسها؛ فهي حال كونها يبسا غير ذات نبات ولا اخضرار كأنما هي ميتة، حتى إذا أصابها ماء السماء انقلبت حية عامرة يعمها الخصب والنضرة والاخضرار - وذلك في ذاته حدث كوني كبير، لا يتحقق إلا بإرادة الله الخالق القادر - وهو دليل واضح (لقوم يسمعون) ، أي: يسمعون سماع استبصار وتدبر؛ ليجدوا في إحياء الأرض الميتة بالمطر دليلا واضحا ومثيرا على أن الله حق - أما الذين يسمعون سماع الذاهلين الغافلين، أو سماع الماكرين المخادعين المتربصين؛ فإنهم سادرون في الضلال والعمى والجحد؛ فلا ينفعهم سماعهم، ولا يغنيهم ما يجدونه من مختلف الأدلة والبراهين 68.