(ثم خلقناه النطفة علقة فخلقنا العقلة) النطفة والعلقة، منصوبان؛ لأنهما مفعولان للفعل (خلقنا) - و (خلقنا) ههنا يتعدى إلى مفعولين؛ لأنه بمعنى صيرنا - ولو كان بمعنى أحدثنا لتعدى إلى مفعول واحد 6 والمعنى: حولنا النطفة إلى علقة، أو صيرنا علقة، وهي الدم الجامد (فخلقنا العلقة مضغة) يعني جعلنا ذلك الدم الجامد مضغة؛ أي قطعة لحم - وقد سميت مضغة؛ لأنها مقدار ما يمضغ.
قوله: (فخلقنا المضغة عظاما) أي صيرنا قطعة اللحم هذه متصلبة عظاما يقوم عليه جسد الإنسان (فكسونا العظام لحما) أي جعلنا على العظام ما يسترها ويشدها من اللحم.
قوله: (ثم أنشأناه خلقا آخر) أي جعلناه خلقا مباينا للخلق الأول وذلك بنفخ الروح فيه لتنتشر فيه الحياة.
قوله: (فتبارك الله أحسن الخالقين) أي تعالى الله وتعظم شأنه وجلاله فقد استحق التعظيم والثناء - و (أحسن) مرفوع على أنه بدل من (الله) .
وقيل: مرفوع على أنه خبر لمبتدأ محذوف - وتقديره: هو أحسن الخالقين 7.
قوله: {ثم إنكم بعد ذلك لميتون} بعد خلقكم أطوارا في بطون أمهاتكم، ثم خروجكم إلى الدنيا لتحيوا فيها إلى أجل يعلمه الله،
ثم تصيرون إلى الموت لتمكثوا في
قبوركم حينا مقدورا من الدهر،
ثم تبعثون بعد ذلك يوم القيامة لتلاقوا الحساب والجزاء وهو قوله: (ثم إنكم يوم القيامة تبعثون) .
لا جرم أن هذا الإخبار عن كيفية الخلْق والتكوين يأتي في الغاية من حقيقة الإعجاز لهذا الكتاب المنزل الحكيم - ويتجلى ذلك تماما، ونحن نتخيل أن رسول الله (ص) كان أميا وهو مبعوث في أمة أمية لا تدري ما القراءة ولا الكتابة - فأحرى ألا تدري عن حقائق العلوم الكونية شيئا.
لكن هذه الآية وهي تعرض لهذا الترتيب المتسلسل في الخلق مما لم تدركه عقول البشر إلا في عصرهم الراهن- تزجي بالدليل الأبلج على أن القرآن معجز وأنه من صنع الله العليم القدير.
قوله تعالى: {ولقد خلقنا فوقكم سبع طرائق وما كنا عن الخلق غافلين} (سبع طرائق) ، أي سبع سموات - سميت طرائق لتطارقها؛ أي كون بعضها فوق بعض - يقال: طرق الليل عليه؛ أي ركب بعضه بعضا 8.
قوله: (وما كنا عن الخلق غافلين) ليس الله غافلا عن خلقه بل إن الله حفيظ لهم من أن تسقط عليهم السماوات فتهلكهم - وهذا دليل قدرة الله المطلقة وجبروته المذهل الذي ليس له حدود.