فهرس الكتاب

الصفحة 1674 من 2536

قوله: {والذين يبيتون لربهم سجدا وقياما} ذلك وصف لسيرة المؤمنين في الليل بعد أن وصف خلقهم مع الناس في النهار - فهم في الليل (يبيتون لربهم سجدا وقياما) بات الرجل يبيت ويبات بيتوتة؛ إذا أدركه الليل سواء نام أم لم ينم - كما يقال: بات فلان قلقا - وبات يفعل كذا؛ إذا فعله ليلا 50.

واختلفوا في معنى المبيت سجدا وقياما - فقال بعضهم: من قرأ شيئا من القرآن في صلاة وإن قلّ؛ فقد بات ساجدا وقائما - وقيل: من صلى ركعتين أو أكثر بعد العشاء فقد بات لله ساجدا وقائما، وهو قول ابن عباس - وقيل: من أقام ركعتين بعد المغرب وأربعا بعد العشاء؛ فقد بات ساجدا وقائما - والظاهر- كما قال الزمخشري: أنه وصف لهم بإحياء الليل أو أكثره.

قوله: (والذين يقولون ربنا اصرف عنا عذاب جهنم) المؤمنون دائمو الإشفاق والخوف من عذاب الله؛ فهم من طاعتهم وامتثالهم واستسلامهم لا يبرح قلوبهم القلق والوجل من العذاب أن يصيبهم يوم القيامة.

وبذلك فإن المؤمنين يتضرعون إلى ربهم في كل آن كي يدفع عنهم عذاب جهنم (وإن عذابها كان غراما) والغرام، معناه الشر الدائم، والعذاب اللازم أو الهلاك المستديم.

قوله: {إنها ساءت مستقرا ومقاما} (مستقرا ومقاما) ، حال أو تمييز والمؤمنون يسألون ربهم أن يدفع عنهم عذاب جهنم لأمرين - أولهما: أن عذابها غرام؛ أي شديد وداهم وملازم - وثانيهما: أنها ساءت مستقرا ومقاما؛ أي بئس المستقر وبئس المقام - ويمكن أن يكون ذلك من كلام الله

ويمكن أن يكون حكاية لقولهم.

قوله: {والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك قواما} (لم يسرفوا) ، من الإسراف وهو مجاوزة الحد في النفقة - ولم يقتروا من القتر والإقتار والتقتير - وهو التضييق الذي هو نقيض الإسراف 51.

وقد اختلف المفسرون في تأويل هذه الآية أو في المراد بالإسراف والتقتير وثمة قولان أساسيان في ذلك.

القول الأول: وهو لابن عباس وآخرين وهو أن الإسراف يعني الإنفاق في معصية الله تعالى - والإقتار منع حق الله تعالى - فلو أنفق أحدهم مثل جبل ذهبا في طاعة الله تعالى لم يكن ذلك سرفا - ولو أنفق صاعا في معصية الله تعالى كان سرفا.

على أنه يُعترض على هذا التفسير، بأن الإنفاق في معصية الله معلوم أنه حرام وقد حظرت الشريعة قليله وكثيره - وإنما المراد في هذه الآية التأديب في نفقة الطاعات في المباحات - وهو ما يبينه.

القول الثاني: وهو أن المراد بالسرف مجاوزة الحد في التنعم والتوسع في الدنيا وإن كان من حلال - فإن ذلك مكروه؛ لأنه يفضي إلى الخيلاء - أما الإقتار فهو التضييق.

فالإفراط في الأكل فوق الشبع بحيث يمنع من القدرة على العبادة سرف - وإن أكل بقدر ما دون الحاجة أو أفرط في الشح على عياله حتى أجاعهم فهو إقتار.

قوله: (وكان بين ذلك قواما) اسم كان مضمر - و (قواما) خبر كان - والتقدير: كان الإنفاق ذا قوام بين الإسراف والإقتار 52 أو كان الإنفاق بين الإسراف والقتر قواما - والقوم، معناه العدل والاستقامة 53 والمراد بذلك: النفقة بالعدل والمعروف دون مجاوزة عن حد الله ولا تقصير عما فرضه الله.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت