قوله تعالى: {قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف وإن يعودوا فقد مضت سنت الأولين} ذلك تكليف من الله لنبيه صلى الله عليه وسلم بتبليغ الكافرون هذا المعنى سواء بهذه العبارة أو غيرها، وهو أنهم إن كفوا عما هم عليه من عداوة رسول الله صلى الله عليه وسلم ودينه والمسلمين، وعن قتالهم وإيذائهم واليد لهم فيدخلوا في دين الإسلام {يغفر لهم ما قد سلف} أي يغفر الله لهم ما سبق أن فعلوه من الكفر والمعاصي - وفي هذا ما يدل على أن الإسلام، يجب ما كان قلبه من الكفر والخطايا والذنوب جميعا، مما اقترافه الكافرون قبل أن يسلموا.
ويأمر الله نبيه صلى الله عليه وسلم أيضا أن ينذر قومه عاقبة الرجوع إلى الكفر؛ فغنهم إن عادوا {فقد مضت سنت الأولين} وذلك وعيد وتهديد من الله للذين يعودون للكفر بعد أن ارتدوا عن الإسلام، أنهم ستمضي فيهم سنة الله في الانتقام منهم ومجازاتهم بالإهلاك والخزي بعد أن يجعل الله النصر والنجاة لعباده المؤمنين الصابرين.
قوله تعالى: {وقتالهم حتى لا تكون فتنة ويكون الذين كله لله فإن انتهوا فإن الله بما يعملون بصير 39 وإن تولوا فاعلموا أن الله مولاكم نعم المولى ونعم النصير} يأمر الله نبيه صلى الله عليه وسلم والمؤمنين أن يقاتلوا الكفار الظالمين الذين يصدون عن دين الله ويبغون في الأرض بغير الحق ويشيعون الفوضى والفساد والمنكرات والرذائل في البلاد، والذين يحادون الله والمؤمنين، فيأبون للإسلام ورسالته العظيمة ونظامه الحق أن يشيع بين الناس.
من أجل ذلك يوجب الله على عباده المؤمنين الصادقين الذين التزموا منهجه وشرعه أن يقاتلوا هؤلاء الأشرار المفسدين الذين يصدون عن الحق كيلا يذيع أو ينتشر وذلك بكل الأساليب والمعوقات المادية والنفسية والفكرية - أولئك مجرمون عتاة لا تجدي معهم الحكمة أو المنطق، ولا ينفعهم النصح أو الإفاضة في البيان والاحتجاج - فلا مناص مع هؤلاء المستكبرين المفسدين إلا أن يقاتلهم المؤمنون فيهزموهم ويذلوهم ويسكتوا فيهم صوت الشر والظلم والفساد {حتى لا تكون فتنة} أي يجب قتالهم من اجل أن ينتهي الفتنة؛ أي لا يفتن مسلم عن دينه - فإذا ما شاع الحق والأمن والعدل من خلال الإسلام؛ زالت كل بواعث الفتنة التي يخشى معها على الناس من الانحراف عن دنيهم - لا جرم أن سطوة الكفر وعتو الكافرين إذ تسلطوا على رقاب المسلمين أن يكون (عتوهم) مدعاة كبرى للفتنة وزحزحة المسلمين عن دنيهم رويدا رويدا.
إن الناس إذا أظلهم الكفر بسطوته العاتية وكلكله الثقيل وطغيانه البشع؛ فغنهم لا محالة واقعون في الفتنة، وآخذون في الانسلاخ والتحلل من تعاليم الإسلام شيئا فشيئا - لذلك أمر الله أن يقاتل المؤمنون الكافرون ما دامت الفتنة قائمة ويخشى معها على العباد من مجانة الحق والسقوط في الباطل تحت مختلف الضواغط والأسباب والمغريات وتحت مطرقة الفتنة الخبيثة على اختلاف صورها وأساليبها من ترغيب وترهيب وإغواء وإغراء.
قوله: {ويكون الدين كله لله} أي يكون دين الله الحق وهو الإسلام ظاهرا على الملل كافة ومسيطرا على المبادئ والعقائد والأديان جميعا - وإذ ذاك يستحوذ الإسلام على الواقع البشري كله بنظامه الوارف الظليل وعقيدته الكريمة المرغوبة السمحة، فتفيض على الدنيا شآبيب الرحمة ونسائم الأمن والسعادة وتنمحي من وجه الأرض كل أثارة من أثارات التهديد والوجل، أو الغواية والإفساد والفتنة.