فهرس الكتاب

الصفحة 18 من 2536

هذه الآية جاءت لتكشف عن طبيعة المنافقين الذين يكتمون في دخائلهم الكفر ثم يتظاهرون في محاكاة مصطنعة أنهم مؤمنون، وذلك حكم قرآني حاسم وهو أن هذا الصنف من الناس كفرة وأنهم جاحدون كاذبون، فهم يكذبون على الله ويكذبون على المؤمنين، إذ يتظاهرون في تقول متكلف مكذوب أنهم يؤمنون بالله وباليوم الآخر، والله سبحانه يشهد أنهم كذابون وأنهم لم يلجوا حومة الإيمان وما بارحوا دائرة الكفر، يتضح ذلك من قوله جل وعلا: (وما هم بمؤمنين) .

قوله: (يخادعون الله والذين ءامنوا وما يخدعون إلا أنفسهم وما يشعرون (( يخادعون الله (جملة فعلية مستأنفة، ويحتمل أن يكون بدلا من الجملة الواقعة صلة لمن، وهي (بقول (3 الخداع معناه الختل والرغبة في إلحاق الأذى والمكروه بالآخرين عن عمد، ومنه الخديعة والمخادعة أي المخاتلة، وذلك بيان لحال المنافقين الذين (يخادعون الله والذين ءامنوا (أما مخادعتهم لله: فهي بناء على تصورهم الفاسد وظنهم الموهوم، ذلك أنهم يتصورون في حماقة وعمه أنهم يستطيعون تمرير خداعهم وتحيلهم على الله سبحانه، وكذلك فإن المنافقين يعملون في خبث ومخادعة على التظاهر أمام المؤمنين بالمظهر الحسن فيصطنعون فعل الخيرات اصطناعا دون أن يحفزهم إلى ذلك نية راغبة أو قصد عازم، وذلك هو الرياء الذي يبطل العمل ويمحق الأجر والثواب.

وقوله: (وما يخادعون إلا أنفسهم ذلك يعني أن عاقبة الخداع لا تحيق إلا بالمخادعين أنفسهم (، وتلك حقيقة مختومة لا يدركها هؤلاء السفهاء المفسدون الذين لا تستوعب قلوبهم وأذهانهم جلال الألوهية والذين يتراءى لهم أنهم يخدعون الله مع أنه سبحانه لا يتطاول إليه سلطان بشر ولا خداع مخاتل أو دجال.

قوله: (في قلوبهم مرض فزادهم الله مرضا ولهم عذاب أليهم بما كانوا يكذبون (تكشف هذه الآية عن طبيعة ملتوية للمنافقين الذين يخالط قلوبهم المرض، وقد ورد في تفسير المرض عدة أقوال منها: أنه يعني الشك، وقيل: النفاق والرياء، وقيل غير ذلك، وفي تقديرنا أن المقصود بالمرض هنا لا يمكن تحديده بأحد هذه الضروب المعنية وهي الشك أو النفاق أو الرياء أو الجحد والتكذيب كما قيل.

مع أن هذه الظواهر جميعها لا تخرج عن دائرة المرض في مفهومه الشامل، أو أنها أعراض فاسدة قبيحة يتمخض عنها المرض نفسه، لكننا نتصور أن المرض الذي يخالط القلوب فيسميها الإفساد والتخريب لتنشأ عن ذلك ظواهر الشك أو النفاق أو غيره، إنما هو الذي يأتي على الفطرة البشرية لتكون مشلولة فاسدة لا تزجي غير الشر والضلال، أو هو الذي يأتي على النفس فتكون ملتوية غير سوية وقد أفسدها التعقيد والانحراف.

ويمكن إيجاز ذلك في عبارة سريعة لتفسير المرض فنقول: إنه الانحراف الذي يغشى طبيعة الإنسان، فتكون ضالة عن صراط الحق السوي، أو تكون منحرفة انحرافا مشينا يتجه بالإنسان صوب الشر والفساد، أو صوب الضلال والميل عن منهج الله.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت