فهرس الكتاب

الصفحة 1400 من 2536

قوله: (وقل جاء الحق وزهق الباطل) المراد بالحق، الإسلام، بكل ما فيه من الخير والرحمة والنعمة للبشر، وما حواه من هائل الأحكام والمعاني في كل مناحي الحياة، وهو منهج الله القويم أنزله للناس ليستضيئوا بنوره الساطع، وليهتدوا به في دنياهم؛ فيحيوا حياتهم هذه آمنين سعداء، وقد أظلتهم أفياء المودة والأخوة والأمان.

ذلك هو الحق الذي هتف به الرسول الأمين (ص) لما أمره ربه أن يتلو على الناس (وقل جاء الحق وزهق الباطل) (زهق) ، بمعنى اضمحل وبطل؛ أي ظهر الإسلام - واضمحل وزال ماعداه، فما عداه باطل (إن الباطل كان زهوقا) والباطل يتناول كل وجوه الكفر على اختلاف صوره ومسمياته - ومن طبيعة ذلك كله الزهوق وهو البطلان والزوال لا محالة - فأيما باطل فإنه زاهق؛ إذ هو في ذاته باطل؛ لأنه بني على الفساد والأثرة والهوى والإدبار الكامل عن منهج الله - فهو لا محالة صائر إلى الزهوق، وهو البطلان المحقق والانهيار الشامل الكامل - وهذه حقيقة لا ينكرها إلا تائه مخدوع أو سقيم النفس، سادر في الجهالة والوهم - وبذلك أيما محجة أو طريقة أو أسلوب مغاير لمنهج الله وهو الإسلام، فإن مصيره التدمير والزوال والخسران في هذه الدنيا، قبل الخسران الأكبر يوم القيامة.

وفي هذا الصدد أخرج البخاري عن عبد الله بن مسعود قال: دخل النبي (ص) مكة وحول البيت ستون وثلاثمائة نصب - وفي رواية: صنم، فجعل يطعنها بعود في يده ويقول: (جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقا) (جاء الحق وما يبدئ الباطل وما يعيد) 98.

قوله تعالى: {وننزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين ولا يزيد الظالمين إلا خسارا} (من) ، ليست للتبعيض بل هي للجنس؛ أي وننزل من هذا الجنس الذي هو قرآن ما هو شفاء؛ فجميع القرآن شفاء للمؤمنين.

والقرآن شفاء للبشرية بما حواه من المعاني والأحكام والتصورات والعبر؛ فكل ذلك مزيل للشبهات والشكوك والعلل التي تنتاب العقول فتشينها شينا وتسكب فيها ألوانا من ضلالات الفكر الباطل، والمعارف الكاذبة المفتراة التي تعلن الحرب على منهج الله في اجتراء لئيم ووقح، فلا يروق لها بذلك إلا أن تكيد لدين الله كيدا.

إن القرآن شفاء لهذه العقول من كل ضلالات ومفاسدها وانحرافاتها، والقرآن شفاء للبشرية من كل الأدران والأوضار التي تأتي على النفس فتسومها المرض والعطب وكل ألوان الزيغ والشذوذ، وتلكم أمراض بغيضة وممضة ومختلفة تصيب النفس البشرية فتثير فيها ألوانا شتى من الأسقام كالقلق والكمد والاغتمام والهلع والإحساس المستديم بالضيق والكآبة - إلى غير ذلك من صور الأمراض النفسية التي تكابدها البشرية في كل العصور.

لكن القرآن بعقيدته الراسخة السمحة، ومعانيه الكريمة الشفيفة وتشريعه الشامل المتكامل، يبدد كل ألوان المرض بكل صوره وأشكاله، سواء في ذلك ما أصاب الذهن أو الجهاز النفسي والروحي للإنسان - إن القرآن بمعانيه المعجزة الفذة شفاء للإنسان من كل هاتيك الأسقام والعلل التي تقضّ الأفراد والمجتمعات قضًّا والتي تسوم الإنسان الأوجاع والآلام.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت