قوله: {فَأَصَابَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُوا} أصاب الظالمين المكذبين من الأمم السابقة جزاء تكذيبهم وعصيانهم وما عملوه من السيئات، كقارون الذي تولى غرورا واستكبارا فذاق وبال أمره؛ إذ خسف الله به وبداره الأرض.
قوله: {وَالَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْ هَؤُلَاءِ سَيُصِيبُهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُوا} أي الذين أشركوا بالله من قومك يا محمد وقالوا هذه المقالة سيصيبهم جزاء كفرهم وما عملوه من سيئات مثلما أصاب الذين من قبلهم من الظالمين من وبال {وَمَا هُمْ بِمُعْجِزِينَ} أي لا يفوتون الله ولا يسبقونه هربا من عذابه إذا حاق بهم بل إنهم مصيبهم ما أصاب أولئك من شديد الوبال.
قوله: {أَوَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ} أو لم يعلم المشركون أنه لا باسط ولا قابض للرزق إلا الله؛ فهو سبحانه يوسِّعُه على من يشاء من عباده أو يضيقه عليهم.
قوله: {إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ} الإشارة عائدة إلى بسط الرزق وتقتيره على من أراد سبحانه؛ فإن في ذلك دلالات وحُججا لقوم يؤمنون - وقد خص المؤمنين بالذكر؛ لأنهم أجدر أن ينتفعوا بالآيات والبراهين، وأحرص على الاعتبار والاتعاظ 7.
قوله تعالى: {قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (53) } .
نزلت الآية في أهل مكة؛ إذ قالوا: يزعم محمد أن من عَبَدَ الأوثان وقتل النفس التي حرم الله لم يُغفر له - وكيف نهاجر ونسْلم وقد عبدنا مع الله إلها آخر وقتلنا النفس التي حرّم الله؟ فأنزل الله هذه الآية - وقيل: نزلت في قوم من المسلمين أسرفوا على أنفسهم في العبادة وخافوا ألاَّ يتقبَّل منهم لذنوب سبقت لهم في الجاهلية - وقال ابن عباس: نزلت في وحشيّ قاتل حمزة؛ لأنه ظن أن الله لا يقبل إسلامه 8 لا جرم أن هذه الآية أكثر الآيات في الكتاب الحكيم فرحا؛ لما فيها من إعلان رباني كريم يفيض بالإحسان والفضل والرحمة؛ فإن فيها بيانا بأن الله غفار لسائر الذنوب عقب التوبة والندم إذا ما اجتُنب الإشراك بالله وهو قوله: {قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا} وتقنطوا، من القنوط، بضم القاف وهو الإياس من رحمة الله 9 - وذلك إعلان من الله داوٍ ينادي فيه عباده من الكافرين وغيرهم، الذين أسرفوا على أنفسهم بكثرة المعاصي والذنوب أن يبادروا بالتوبة والإنابة إلى الله - وفيه إخبار منه سبحانه بأنه يغفرُ الذنوب جميعا لمن تاب منها وإنْ كانت مثل زبد البحر - فما ينبغي لأحد بعد هذا الكرم الرباني الفياض، وهذه الرحمة الدافقة الغامرة أن ييأس من رحمة الله فيسْدُرَ في الإياس والعصيان.