قوله تعالى: (ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين) يستدل من هذه الآية أن الدين ليس إلا الإسلام، وأن كل دين سوى الإسلام فإنه غير مقبول عند الله - ووجه ذلك أن الإسلام مصدر الصلاح والصواب كله، بل إنه أصل الكمال والاستقامة والتوازن جميعا - والإسلام في الحقيقة صورة مشرقة عن الجلال المنبعث من عند الله بما تستقيم عليه حال البشرية لكي تفوز في الدنيا والآخرة.
وإذا جيء بالأديان والنبيين السابقين على أحقاب متعاقبة من مراحل الزمن، فقد ظلت البشرية تتناوبها الملل والشرائع المحدودة بما ينسجم كل واحد منها مع طور دون غيره من الأطوار، فما يصلح لأمة أو مجتمع لا يصلح لغيره من الأمم والمجتمعات - وذلك هو مقتضى قوله تعالى: (لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا) فهي شرائع شتى تتناسب كل شريعة منها مع طبيعة الحال للأمة في فترة من الفترات.
ولقد ظل الحال كذلك حتى جيء بالإسلام، هذا الدين المنسجم المتكامل الذي تصلح عليه حياة الإنسان في كل الأحوال والأطوار والظروف، وذلك لما يتجلى في شريعة الإسلام من الخصائص والمزايا، ولما تنبني عليه من المقومات والحقائق بما يجعلها المنهج الكامل المتسق الوحيد الذي يصلح لكل مكان وزمان.
وعلى هذا ليس لأحد البتة أن يبتغي غير ملة الإسلام ملة من الملل، وأيما ابتغاء كهذا فهو الجحود والكفران، بل إنه الضلال والعتو والتمرد على منهج الله، التمرد الذي يكشف عن اعوجاج في التصور الزائغ، أو جهل مطبق يغشى العقل فيحول بينه وبين التمييز والتمحيص - فلا يبتغي أحد دينا غير دين الإسلام إلا كان مسعاه غير مقبول، ولسوف يبوء في الآخرة بالمهانة والارتكاس - وفي الحديث الصحيح عن النبي صلى الله عليه
وسلم قال:"من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد"144.
قوله تعالى: (كيف يهدي الله قوما كفروا بعد إيمانهم وشهدوا أن الرسول حق وجاءهم البينات والله لا يهدي القوم الظالمين أولئك جزاؤهم أن عليهم لعنة الله والملائكة والناس أجمعين خالدين فيها لا يخفف عنهم العذاب ولا هم ينظرون إلا الذين تابوا من بعد ذلك وأصلحوا فإن الله غفور رحيم) .
جاء في سبب نزول هذه الآية عن ابن عباس أن رجلا من الأنصار ارتد عن الإسلام والتحق بالشرك فندم فأرسل إلى قومه أن يسألوا رسول الله صلى الله عليه و سلم: هل لي من توبة فإني قد ندمت، فنزلت (كيف يهدي الله قوما كفروا) الآية، وقيل: نزلت في أهل الكتاب من اليهود والنصارى فقد رأوا صفة الرسول محمد صلى الله عليه وسلم في كتبهم وأقروا به وشهدوا أنه حق، فلما بعث النبي من غيرهم أنكروه وكفروا به بعد إقرارهم وإيمانهم، وليس ذلك إلا حسدا من عند أنفسهم 145.
على أن ظاهر الآية يدل على عموم المقصود الذي تناول كل من آمن بنبوة محمد صلى الله عليه وسلم وآمن برسالة الإسلام فصدقها تصديقا، سواء كان ذلك بعد مجيء الإسلام أو كان قبله، إذ صدقه أهل الكتاب من اليهود والنصارى لما وجدوه مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل قبل مولد الرسول وبعثه، فما إن ولد وبعثه الله للناس حتى ناصية أهل الكتاب الكيد والجحد.