قوله تعالى: (وإن من أهل الكتاب لمن يؤمن بالله وما أنزل إليكم وما أنزل إليهم خاشعين لله لا يشترون بآيات الله ثمنا قليلا أولئك لهم أجرهم عند ربهم إن الله سريع الحساب) نزلت هذه الآية في النجاشي، وذلك لما مات نعاه جبريل عليه السلام لرسول الله صلى الله عليه و سلم في اليوم الذي مات فيه، فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم لأصحابه:"اخرجوا فصلوا على أخ لكم مات بغير أرضكم"فقالوا: ومن هو؟ فقال:"النجاشي"فخرج رسول الله صلى الله عليه و سلم إلى البقيع وكُشف له من المدينة إلى أرض الحبشة - فأبصر سرير النجاشي وصلى عليه وكبّر أربع تكبيرات واستغفر له، وقال لأصحابه،"استغفروا له"فقال المنافقون: انظروا إلى هذا يصلي على علج 311 حبشي نصراني لم يره قط وليس على دينه 312.
وقيل: نزلت في مسلمة أهل الكتاب - وهم فريق من اليهود والنصارى آمنوا بالله وحده لا شريك له، وآمنوا برسوله محمد صلى الله عليه و سلم وبما أنزل إليه وهو الكتاب الحكيم، وآمنوا بما أنزل على المرسلين السابقين من الكتب وهي التوراة والإنجيل والزبور - هذا الفريق من أهل الكتاب آمنوا إيمانا صحيحا وصدقوا نبوة محمد صلى الله عليه و سلم فكانوا في زمرة المؤمنين الصادقين الأبرار.
وقوله: (خاشعين لله لا يشترون بآيات الله ثمنا قليلا) (خاشعين) منصوب على الحال من فاعل يؤمكن - والمعنى أنهم خاضعون لله بالطاعة مستكينين لها بها متذللين.
وقوله: (لا يشترون بآيات الله ثمنا قليلا) أي لا يحرفون ما في كتبهم من ذكر محمد صلى الله عليه و سلم ونعته فلا يكتمون خبره الذي جاءت به كتبهم طمعا في كسب مهين خسيس يعطونه على ذلك التحريف والكتمان كما فعله أكثر أهل الكتاب من اليهود والنصارى إذ كذبوا نبوة محمد صلى الله عليه و سلم وكتموا ما جاءت به كتبهم من ذكر وتصديق للنبي الخاتم صلى الله عليه و سلم.
قوله: (أولئك لهم أجرهم عند ربهم) هؤلاء المؤمنون من أهل الكتاب الذين جهروا بما جاء في كتبهم عن نبوة محمد صلى الله عليه و سلم، لهم عوض إيمانهم وتصديقهم وطاعتهم لله ورسوله خير الجزاء يصيرون إليه يوم القيامة.
قوله: (إن الله سريع الحساب) أي أن ما أعده الله لهؤلاء المؤمنين من أهل الكتاب من الجزاء العظيم الموعود لهو سريع الوصول إليهم؛ لأن سرعة الحساب تقتضي سرعة الجزاء، والله جل وعلا غني عن التأمل والنظر، بل إن علمه نافذ في كل شيء.
قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا اصبروا وصابروا ورابطوا واتقوا الله لعلكم تفلحون) يأمر الله عباده المؤمنين أن يصبروا على الدين وتكاليفه فيلتزموا العمل بمقتضاه من غير زيغ ولا تردد - قال الحسن البصري: أمروا أن يصبروا على دينهم الذي ارتضاه الله لهم، وهو الإسلام فلا يدعوه لسراء ولا لضراء ولا لشدة ولا لرخاء حتى يموتوا مسلمين.
ويأمرهم الله أيضا أن يصابروا أعداء دينه في الجهاد، أي يغالبوهم في الصبر على شدائد الحرب ولا يكونون أقل صبرا وثباتا منهم - والمصابرة باب من الصبر، وقد ذكر بعض الصبر تخصيصا لشدته وصعوبته - قال الحسن البصري في ذلك: أن يصابروا الأعداء الذين يكتمون دينهم.
ويأمروهم أيضا أن يرابطوا - والمرابطة الإقامة في الثغور، أو هي مرابطة الغزو في نحر العدو وحفظ ثغور الإسلام وصيانتها عن دخول الأعداء إلى حوزة بلاد المسلمين 313.