قوله: {مَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ هُوَ فِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ} أي إذا كانت هذه حقيقة حالكم من المعاندة والغرور والاستكبار عن اليقين فمن إذن أشد ذهابا عن سواء السبيل، وأعظم بعدا من الطريق الحق المستقيم؟ أو من هو أشدّ مفارقة لعقيدة التوحيد وأعظم مخالفة لمنهج الله الحكيم، وبعيدا من الرشاد والسداد؟ إنه ليس من أحد أضل منكم - وذلك لفرط شقاقكم وعنادكم وتفريطكم فيما أنزل إليكم من الحق الساطع المستبين.
قوله: {سَنُرِيهِمْ آَيَاتِنَا فِي الْآَفَاقِ} {الآفاق} ، جمع أفق وهو الناحية 37 يعني سنري الناس دلائل وحدانيتنا وقدرتنا المطلقة في آفاق السماء وسائر نواحي الأرض وأطرافها، أما الآيات في آفاق السماء فهي العلامات الفلكية من الكواكب والنجوم والليل والنهار والبرق والرعد والأضواء والظلمات، وكذلك الآيات في مناحي الأرض من البحار والأنهار والأشجار والأمطار والصواعق والسهول والجبال والأودية والوهاد والصحاري، وغير ذلك من الدلائل والآيات التي تقرع الحس وتدير الرأس فينقلب مبهوتا مذهولا، قوله: {وَفِي أَنْفُسِهِمْ} وفي نفس الإنسان آيات مذهلة ومثيرة وعجاب، وهي كثيرة وكبيرة ومختلفة؛ منها تكوين الأجنّة في الأرحام بعد أن كانت نطفا قليلة مهينة - ثم ما يمرّ به ذلك من مختلف المراحل من التطور انتهاء بالخروج إلى الدنيا عن طريق الولادة ليتقلب الإنسان بعد ذلك في مدارج النمو والتطور، من الطفولة والرضاع ثم الشباب والكهولة ثم الكبر والهرم ثم الموت والبلى إلى ذلك من آيات في مركبات الإنسان البدنية والعصبية والنفسية والروحية والذهنية، لا جرم أن ذلك كله آيات ظاهرات باهرات تشهد بعظمة الصانع الحكيم وأنه الخالق الموجد المقتدر.
قوله: {حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ} الضمير في {أنّه} يرجع إلى القرآن، وقيل: إلى الله عز وجل، وقيل: إلى الإسلام، وقيل: إلى الرسول محمد صلى الله عليه وسلم - والأظهر أن المراد هو القرآن؛ فإنه فيما ينتشر في آفاق الكون والطبيعة والنفس الإنسانية من آيات عجاب ودلائل كبريات، يزجي بقاطع البرهان على أن هذا القرآن حق وأنه منزل من عند الله ليكون هداية للناس وليستنقذ البشرية من ظلمات الباطل إلى نور الحق والعدل واليقين.
قوله: {أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ} الجملة مسوقة لتوبيخ الظالمين والمشركين الغافلين عن الحق، فالهمزة للإنكار والتوبيخ، والباء في قوله: {بربِّك} زائدة، وربك، فاعل للفعل {يَكْفِ} 38.
والمعنى: أو لم يكفهم ربك بما بيَّنَهُ لهم من الأدلة والحجج في الكون والطبيعة وفي أنفسهم على أن الله حق وأنه شاهد على أعمالهم وأفعالهم وعلى صدق ما جاءهم به محمد صلى الله عليه وسلم، أو على أن ربك عليم بالأشياء ولا يغيب عنه منها شيء في الأرض ولا في السماء.
قوله: {أَلاَ إِنَّهُمْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقَاءِ رَبِّهِمْ} إن هؤلاء المشركين في شك من قيام الساعة، فهم لا يحذرون الآخرة ولا يعبئون بقيامها؛ لأنهم مرتابون فيها.
قوله: {أَلاَ إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطٌ} الله محيط علمه بكل شيء، أو أحاطت قدرته بكل شيء، فسائر الأشياء والخلائق في قبضته وتحت علمه وقهره وقدرته - وفي ذلك من التخويف والوعيد ما لا يخفى 39.