وعلى هذا خلاف في أن الهم من امرأة العزيز كان فعل المعصية - أما الهم من يوسف فهو موضع خلاف بين العلماء - والظاهر أنه هم بها لكنه لما رأى البرهان من الله لم يهم؛ وذلك لوجوب العصمة في حق الأنبياء - وبذلك يكون في الكلام تقديم وتأخير - والتقدير: لولا أن رأى يوسف برهان ربه لكان قد هم بها - فهمت هي بالمعصية أما هو فقد هم ولم يواقع ما هم به بسبب البرهان الذي رآه.
قوله: {كذالك لنصرف عنه السوء والفحشاء} الكاف في اسم الإشارة في موضع نصب صفة لمصدر محذوف، والتقدير: أريناه البرهان رؤية مثل ذلك - وقيل: في محل رفع على أنه خبر لمبتدأ محذوف - والتقدير: الأمر مثل ذلك - والمراد بالسوء: خيانة زوجها العزيز، وهو الذي أكرمه وأحسن إليه {والفحشاء} معناه الزنا - والمعنى: كما رأيناه البرهان الذي صرفه عما هم به من الفاحشة، كذلك نقيه السوء والفحشاء - أو نقيض له ما يزجره عن إتيان المعاصي {غنه من عبادنا المخلصين} بفتح اللام؛ أي من الذين استخلصهم الله لدينه وتبليغ رسالته 34.
قوله تعالى: {وَاسُتَبَقَا الْبَابَ وَقَدَّتْ قَمِيصَهُ مِن دُبُرٍ وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا لَدَى الْبَابِ قَالَتْ مَا جَزَاء مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوَءًا إِلاَّ أَن يُسْجَنَ أَوْ عَذَابٌ أَلِيمٌ 25 قَالَ هِيَ رَاوَدَتْنِي عَن نَّفْسِي وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِّنْ أَهْلِهَا إِن كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِن قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ الكَاذِبِينَ 26 وَإِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِن دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وَهُوَ مِن الصَّادِقِينَ} .
{اسُتَبَقَا} من الاستباق، وهو طلب السبق ومنه السباق - واستبقا الباب؛ أي تسابقا كلاهما نحو الباب؛ وذلك أن يوسف لما رأى برهان ربه هرب منها فحلقت به لترده إلى نفسها فأدركته عند باب البيت، فأمسكت بقميصه لتمنعه من الخروج فقدته من دبر؛ أي شقته من وراء وليس من قدام؛ لأن يوسف كان الهارب، وكانت هي الطالبة {وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا لَدَى الْبَابِ} أي وجدا زوجها وهو العزيز عند الباب - فلما رأته عمدت إلى إلصاق التهمة بيوسف دفعا لها عن نفسها فرمته بما هو منه برئ، وبادرت القول في ظلم وكذب وتحيل {قَالَتْ مَا جَزَاء مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوَءًا إِلاَّ أَن يُسْجَنَ أَوْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} أي ما جزاء من يبتغي من زوجتك الفاحشة إلا أن يكون عقابه الحبس أو يضرب الضرب الوجيع بالسياط.
فبادر يوسف لدفع التهمة الظالمة عن نفسه فيؤكد له انه برئ أمين إذ قال: {هِيَ رَاوَدَتْنِي عَن نَّفْسِي} أي هي التي ابتغتني طالبة مني الفاحشة - وما قال يوسف ذلك إلا ليدفع عن نفسه التهمة ويرد عن شخصه الطهور مقالة السوء - ولو لم تقذفه هي ظلما وبهتانا لستر يوسف ما ظهر منها من سوء الصنيع.