فهرس الكتاب

الصفحة 1455 من 2536

وقيل: أخفاه؛ لأنه أبعد عن الرياء وأحب للرحمن؛ فإن الله يحب من عبده أن يناجيه خفية فيدعوه ويرتجيه.

قوله: (قال رب إني وهن العظم مني واشتعل الرأس شيبا) (وهن) ، أي ضعف، من الوهن، بسكون الهاء، وهو الضعف 4.

فقد بثّ زكريا عليه السلام شكواه إلى ربه بأن عظمه قد أتى عليه الضعف وخص العظم؛ لأنه عماد الجسد وعليه يقوم بناؤه فإذا عف العظم خار الجسد كله (واشتعل الرأس شيبا) (شيبا) منصوب على التمييز - وقيل: على المصدر؛ أي شاب يشيب شيبا 5 - وهذا التعبير باشتعال الرأس شيبا من أحسن الاستعارات في كلام العرب؛ فقد شبه انتشار الشيب في الرأس بانتشار شواظ النار الملتهبة - فقد فشى الشيب في رأسه حتى عمه كله بسبب الكبر؛ إذ نيف إذ ذاك على الثمانين عاما؛ فهو بذلك يذكر ضعفه وشيبه إلى ربه فيستعطفه ويسترحمه عسى أن يستجيب منه الدعاء، ولذلك قال: (ولم أكن بدعائك رب شقيا) أي لم أكن بدعائي إياك (شقيا) فقد تعودت منك الإجابة قبل اليوم وما كنت تخيب دعائي، فاستجب اللهم وحقق لي رجائي.

قوله: (وإني خفت المولى من وراءي وكانت امرأتي عاقرا) (المولى) هم العصبات من الإخوة وبني العم الذين يلونه في النسب؛ فقد كان أقارب زكريا العصبات من شرار الناس، فخشي منهم أن يفرطوا في دين الله من بعده، فطلب من الله أن يرزقه العقب الصالح من صلبه ليرثوا من بعده العلم والدين فيكونوا في الناس مهداة صلحاء، داعين إلى الله؛ أي أن زكريا عليه السلام إنما أراد وراثة العلم والنبوة والدين لا وراثة المال كما زعم بعض المفسرين - ومعلوم أن النبيين أزهد الناس في الدنيا وحطامها، فأنى لهم أن يكونوا من ذوي المال - ثم إن النبيين لا يورثون؛ فقد ثبت في الصحيحين أن رسول الله (ص) قال:"لا نورث، ما تركنا صدقة"وفي رواية عند الترمذي بإسناد صحيح:"نحن معشر الأنبياء لا نورث"وبذلك تكون الوراثة في الآية مستعارة والمراد بها ما كان في النبوة والحكمة والعلم، وهو الأليق بنبي الله زكريا - لذلك دعا ربه أن يهبه الذرية الصالحة ليرثوا من بعده الدين؛ فقد بلغ هو من العمر الكبر، وكانت امرأته عاقرا؛ أي انقطع حملها فلا تلد 6.

قوله: (فهب لي من لدنك وليا) أي ارزقني من عندك ولدا.

يرث مني العلم والحكمة (ويرث من آل يعقوب) أي يرث منهم النبوة - وذلك أن يكون ذا صلاح وهداية فيصلح أن يوحى إليه - أما يعقوب فهو إسرائيل - وقد كان زكريا زوجا لأخت مريم بنت عمران وهذه يرجع نسبها إلى يعقوب؛ لأنها من ولد سليمان ابن داواد وهو من ولد يهوذا بن يعقوب - وزكريا من ولد هارون أخي موسى - وكانت النبوة في سبط يعقوب بن إسحاق.

قوله: (واجعله رب رضيا) وهو أن يكون صالحا فترضاه دينا وخلقا.

ويستدل من هذه الآية على جواز الدعاء إلى الله برزق الولد الصالح الذي ينشأ على الإيمان والدين والتقوى فيكون من أهل الفضل والصلاح ويكون من الداعين إلى الله فينشر القيم والأخلاق وشرع الله بين العباد، ويكون لأبويه قرّة عين ومبعث استئناس وطمأنينة داعيا لهما بالخير والمغفرة في الحياة وفي الممات.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت