قوله: {قُلْ جَاءَ الْحَقُّ} المراد بالحق القرآن، وفيه نبأ الأولين والآخرين، وفيه من قواعد الحق والعدل والفضل والرحمة ما لا تتماسك أمامه ملة مبطلة أو عقيدة مفتراة.
قوله: {وَمَا يُبْدِئُ الْبَاطِلُ وَمَا يُعِيدُ} المراد بالباطل - في قول كثير من المفسرين - الشيطان - فما يستطيع هذا المخلوق الخبيث الآيسُ أن يخلق أحدا أو يعيده إلى الحياة بعد مماته - وقيل: زال الباطل وانمحق - فهو من طبيعته الزهوق والانمحاء؛ لأنه لا قوام له أمام سطعة الحق، بل ينطفئ ويفنى ويغيب ظله إذا طلعت عليه شمس الحق واليقين.
قوله: {قُلْ إِنْ ضَلَلْتُ فَإِنَّمَا أَضِلُّ عَلَى نَفْسِي} الضلال والضلالة، ضد الرشاد 48 وذلك لما قال المشركون لرسول الله صلى الله عليه وسلم: تركت دين آبائك يا محمد فضللت - فأمره أن يرد زعمهم الباطل بقوله: إن ضللت كما تزعمون، فسلكت غير سبيل الحق والصواب فإنما ضلالي على نفسي {وَإِنِ اهْتَدَيْتُ فَبِمَا يُوحِي إِلَيَّ رَبِّي} يعني: إن استقمت على صراط الله الحق دون زيغ أو ميل فإنما سبب نزول ذلك ما أوحاه الله لي من البيان والحكمة والتشديد.
قوله: {إِنَّهُ سَمِيعٌ قَرِيبٌ} الله يسمع العابدين المنيبين إليه إذا دعوه وسألوه ما يريدون؛ فهو سبحانه قريب مجيب دعوة الداعي إذا دعاه 49
قوله تعالى: {وَلَوْ تَرَى إِذْ فَزِعُوا فَلا فَوْتَ وَأُخِذُوا مِنْ مَكَانٍ قَرِيبٍ (51) وَقَالُوا آَمَنَّا بِهِ وَأَنَّى لَهُمُ التَّنَاوُشُ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ (52) وَقَدْ كَفَرُوا بِهِ مِنْ قَبْلُ وَيَقْذِفُونَ بِالْغَيْبِ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ (53) وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ كَمَا فُعِلَ بِأَشْيَاعِهِمْ مِنْ قَبْلُ إِنَّهُمْ كَانُوا فِي شَكٍّ مُرِيبٍ} .
جواب لو محذوف، وتقديره: لو تَرى لتعجبت - و {فَزِعُوا} : جملة فعلية في موضع جر بإضافة {إذْ} إليها - {وَأُخِذُوا} جملة فعلية أخرى معطوفة عليها 50 وذلك وصف لحال البشرية يوم القيامة؛ إذ تحيط بهم الأهوال العظام وتحيق بهم النوازل الجسام فيغشاهم من الذعر المريع والرعب الفظيع ما يغشاهم - وفي هذا الحال من الخوف والكرب والإياس لا يجد الناس لهم أيُّما مفرٍّ أو ملاذ أو مهرب - وهو قوله سبحانه: {وَلَوْ تَرَى إِذْ فَزِعُوا فَلا فَوْتَ} يعني لو ترى يا محمد حين يفزعُ هؤلاء الجاحدون المكذبون يوم القيامة ثم لا يجدون لهم ملاذا يَفرّون إليه فيوقنون حينئذ أنهم لا منجاة لهم من العذاب.
قوله: {وَأُخِذُوا مِنْ مَكَانٍ قَرِيبٍ} أخذهم الله من حيث كانوا، سواء كانوا في قبورهم أو في أي مكان، فهم من الله قريب لا يفوتونه ولا يُعجزونه.
قوله: {وَقَالُوا آَمَنَّا بِهِ} حينئذ يعلون أهم آمنوا بالله ورسوله وكتابه، وبالبعث الذي كانوا يكذبون به.