فهرس الكتاب

الصفحة 1237 من 2536

والمعنى: أن هذا الخبث الذي يخرج من المعدن المذاب بعد الإيقاد عليه في النار لهو زبد كزبد السيل؛ فكلاهما غير ذي نفع ولا جدوى - إنما الذي ينفع ويجدي ما رسخ من المعدن بعد الإيقاد عليه في النار - وهذا مثل للحق الثابت المكين كما يرسخ بعد الإيقاد عليه في النار لينتفع به الناس - وما علاه من خبث أو زبد إنما هو الباطل الذي يتلاشى ويضمحل فما يغني وما يجدي وما يدوم.

قوله: {كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللّهُ الْحَقَّ وَالْبَاطِلَ} الكاف في موضع نصب على المصدر؛ أي مثل ذلك الضرب يضرب الله مثل الحق والباطل - وبيان ذلك في قوله تعالى: {فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاء وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الأَرْضِ} {جفاء} منصوب على الحال - والجفاء معناه، الرمي والاطراح - أو ما يقذفه القدر والسيل من الزبد والغثاء ونحوهما - يقال: جفا الوادي غثاءه، يجفوه جفاء إذا قذفه ورماه 35.

والمعنى المقصود: أن الزبد أو الخبث يعلو وجه الماء أو المعدن الموقد عليه في النار لينتفخ وينتفش ويطيش على السطح - لكنه أخيرا ما يلبث أن يتطاير ويتناثر ويتبدد فلا يبقى منه شيء - بخلاف الماء النافع الصافي أو الجوهر الراسخ المكين الذي يستقر مركوزا وراسخا لينتفع به الناس فكذلك بالباطل بكل صوره وضروبه ومسمياته؛ فغنه خفيف كالزبد، أو هو شنيع وضار ومرذول؛ فهو يفضي إلى شر العواقب من تدمير للأفراد والأسر والبيوت والمجتمعات.

ذلك هو الباطل في الملل والعقائد والفلسفات والتصورات والمناهج التي ابتدعها أهواء البشر؛ فإنها لا جرم تؤول إلى واقع مادي منكود وظالم، واقع سامته الأهواء وأفاعيل الشياطين من الناس، فظيع الولايات والبلايا النفسية والشخصية والاجتماعية والإنسانية - وذلكم هو الباطل الذي تتجرع منه البشرية على مر الزمن كل ألوان الهوان والشر والمحن.

لكن الحقيقة الراسخة التي تشهد لها آيات الله بالصدق والقين، أن الباطل -كيفما كانت تسميته أو صفته- لا محالة زائل داثر، وأنه صائر إلى التلاشي والفناء والانهيار كما انهارت كل قوى الباطل والظلام والطاغوت بعد أن استطار في الدنيا سلطانه وعزه وطغيانه؛ ذلك أن الباطل بالرغم من ظاهره المنفوش وهيلمانه المنتفخ؛ فإنه تستنيم في أحشائه جرثومة الفناء العاجل المحتوم؛ لأنته (الباطل) قائم على الكذب والخداع والتضليل والهوى - والذي شانه هكذا، لا جرم أنه صائر إلى التداعي والتمزق والسقوط.

أما الحق فإنه واضح وثابت ومكشوف - وهو شديد الرسوخ والقرار في الأرض، لأنه من صنع الله الذي أتقن كل شيء وأحسن كل شيء صنعا - الحق المراد ما كان من صنع الله؛ فهو منهاجه القويم ودينه الحكيم الذي يناسب -دون غيره- طبيعة الإنسان، والذي جعله الله للناس خير ملاذ وأكمل شرعة يستظلون بظلها فيكونون في هذه الدنيا سالمين مطمئنين سعداء.

قوله: {كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللّهُ الأَمْثَالَ} أي مثل ذلك الضرب الظاهر يضرب الله لكم الأمثال لتتدبروا وتعتبروا 36.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت