قوله: {سُبْحَانَ الَّذِي خَلَقَ الْأَزْوَاجَ كُلَّهَا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ} : تجلّى الله في عليائه وكماله وتنزه في جلال قدْره عن النقائص والعيوب؛ فقد خلق الأصناف جميعا مما تنبته الأرض من الزروع والثمار والأشجار على اختلاف أصنافها {وَمِنْ أَنْفُسِهِمْ} أي: وخلق الأولاد من أنفسهم؛ ذكورا وإناثا.
قوله: {وَمِمَّا لا يَعْلَمُونَ} أي: وخلق الله من أصناف الخلائق والأحياء ما لم تطّلعوا عليه ولم تتوصلوا إلى معرفته مما يستكنّ في جوف الأرض وفي أعماق البحار - 21
قوله: {وَآَيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ فَإِذَا هُمْ مُظْلِمُونَ (37) وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (38) وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ (39) لا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ} .
هذه جملة بينات كبريات، ودلائل عظيمات على وجود الصانع العليم المقتدر - وهي آيات من الكون والطبيعة تزجي بالبرهان المستبين على أن الله حق، وأنه موجد الوجود وصانع الأشياء جميعا - يتجلّى ذلك في هذه الآيات القليلة ذات النظْم الرصين المعجز في عظيم إيقاعه وبالغ تأثيره، وفي مضمونه العجيب مما انطوى عليه من حقائق كونية ما كانت تتصوره الأذهان الماضية ولا كانت تحلم به الأمم الخالية - لكن القرآن سبق الأجيال والأدهار والأذهان وسائر التصورات في التنبيه على مثل هذه الحقائق العظيمة المركوزة في سن هذا الكون الحافل المنتظم، الكون المعمور الرتيب - لا جرم أن القرآن معجز، وأنه من لدن إله قادر حكيم.
قوله: {وَآَيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ} {نَسْلَخُ} ، استعارة بديعة؛ شبَّه فيها انكشاف ظلمة الليل بكشط الجلد عن الشاة 22، والسلخ معناه الكشط والنزع - سلخ الله الليل من النهار؛ أي استله فانسلخ - 23
والمعنى: وعلامة لهم على عظمة الصانع الحكيم، أنه يخرج النهار من الليل إخراجا حتى لا يبقى مع شيء من ضوء النهار - وذلك كبيت بسراج فإذا غاب السراج أو انطفأ أظلم البيت.
وقوله: {فَإِذَا هُمْ مُظْلِمُونَ} أي: داخلون في الظلام - نقول: أعتمنا وأسحرنا، يعني دخلنا في العتمة وفي السَّحَر.
قوله: {وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا} اللام بمعنى إلى - يعني إلى مستقر لها وفي قراءة بعضهم (إلى مستقر) 24 والمراد: مستقر الشمس المكاني وهو تحت العرش، إذ تخرّ الشمس ساجدة لله في كل ليلة بعد غروبها - وقيل: المراد بمستقرها: منتهى سيرها وذلك يوم القيامة؛ إذ ينقطع جريها وتسكن حركتها وتكوَّر ثم ينتهي هذا العالم إلى غايته - وهذا هو مستقرها الزماني.
قوله: {ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ} الإشارة بذلك عائدة إلى جري الشمس؛ أي ذلك الجري على ذلك التقدير المحكم والحساب الدقيق، المنضبط الذي لا يتخلف ولا يتبدل {تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ} {العزيز} ، أي القوي القاهر الذي يغلب بقدرته كل شيء - وهو سبحانه محيط علمه بكل شيء.