فهرس الكتاب

الصفحة 34 من 2536

قوله: (وكنتم أمواتا فأحياكم ثم يميتكم ثم يحييكم (ورد في بيان هذا الجزء من الآية جملة أقوال لعل أصولها: أن يكون المقصود هو الأمانة مرتين والإحياء مرتين، أما الموتة الأولى: فهي حين كان الناس غير مخلوقين بعد، فإن أي إنسان من قبل أن يخلق لهو في عداد الموتى الذين لا يملكون حياة ولا انتشارا ولا تأثيرا، قال سبحانه في مثل هذا المعنى: (هل أتى على الإنسان حين من الدهر لم يكن شيئا مذكورا (وقوله كذلك في آية أخرى: (وقد خلقتك من قبل ولم تك شيئا (هذه هي الموتة الأولى.

أما الموتة الثانية فهي معلومة ذاتها التي تحيق بالإنسان بعد حياة فإذا هو ميت وهي عاقبة محتومة سيفضي إليها كل كائن، طال الأجل أم قصر، (إنك ميت وإنهم ميتون (فتلكما موتتان.

أما الإحياء مرتين، فإن أولاهما: هذه التي يحياها الإنسان بعد أن يخلق ليدب على الأرض كادحا فترة من زمان إلى أن يقضي، وبعدها يظل برفاته حبيس الرمس راكدا لا يريم إلى فترة لا يدري سوى الله كم من السنين تبلغ، وبعدها بأذن الله للساعة أن تقوم، ليبعث الموتى من قبورهم إلى حيث النشر والحساب.

وثانيهما: تلك التي يكون عليها الإنسان بعد بعثه من قبره ليعود حيا على التمام وليلاقي حظه الحساب المسطور.

فتلكما موتتان: وذلكما إحياءان اثنان، وفي ذلك يقول سبحانه في آية أخرى (ربنا أمتنا اثنتين وأحييتنا اثنتين) .

وقوله: (ثم إليه ترجعون (بعد الإحياء الثاني الذي يعقب الموت يساق الناس إلى الله ليروا أعمالهم، وأصدق ما يجيء في هذا الصدد قوله سبحانه في سورة الزلزلة التي تزلزل لوقعها وشدة تأثيرها النفوس والمشاعر والأبدان وهي تتصور فداحة الموقف العصيب الرهيب في يوم مجلجل مشهود:(يومئذ يصدر الناس أشتاتا ليروا أعمالهم فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره) .

قوله: (هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعا ثم استوى إلى السماء فسواهن سبع سماوات وهو بكل شيء عليم (الله جل جلاله قد أنشأ الأرض وما فيها من العدم، إذ لا يتصف شيء في الحياة أو الوجود بالأزلية، وتلك صفة أساسية وكبرى ليست لغير الله الخالق المبدع الذي أوجد الحياة والكائنات والأشياء، أوجد الأرض وما عليها وما في باطنها من خلائق كثيرة كالمياه والمعادن وأصناف الأتربة.

وفي قوله: (لكم (تذكير بالمنة من الله على الناس، فقد أوجد لهم الأرض بما يركم في جوفها وعلى متنها من أسباب الحياة والعيش الآمن الميسور وذلك كالهواء والغذاء والماء وغير ذلك من خليقة مبثوثة في كل مناحي الأرض مما يحقق للإنسان عيشه الآمن.

قوله: (ثم استوى إلى السماء فسواهن سبع سماوات (الكلمة (ثم (تتعلق بالخلق لا بالإرادة أي تفيد الترتيب من حيث الإنشاء والإبداع لا من حيث الإرادة المقترنة بعلم الله الأزلي.

ذلك أن إرادة الله القاضية بخلق الأشياء لم تأت على مراحل فإن ذلك لا يتحقق إلا بالنسبة للخلق والإيجاد، أما إرادة الله القاضية بالخلق فإنها قديمة قدم الذات العلية نفسها - والله سبحانه من صفاته الإرادة فلم تكن هذه لتأتي على مراحل تعالى الله ذلك.

وقوله: (استوى إلى السماء (فإن أقوال المفسرين تكاد تجمع على أن (استوى (بمعنى قصد، فبعد أن خلق الله الأرض قصد إلى السماء ليخلقها، وقيل: (استوى إلى السماء (أي صعد إليها، والقول الأول هو الراجح والله أعلم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت