فهرس الكتاب

الصفحة 898 من 2536

قوله تعالى: {ووعدنا موسى ثلاثين ليلة وأتتمناها بعشر فتم ميقات ربه أربعين ليلة وقال موسى لأخيه هارون اخلفني في قومي وأصلح ولا تتبع سبيل المفسدين} المراد بالثلاثين ليلة شهر ذي القعدة - والعشر الأخريات هي من ذي الحجة - وهو قول أكثر المفسرين؛ فقد جعل الله هذه المدة ميقاتا لمناجاة موسى وتكليمه - على أن الإتمام بالعشر يراد به إضافة العشر إلى الثلاثين ليلة؛ ليكون الجميع أربعين ليلة - وقبيل المضي للميقات خاطب موسى أخاه هارون {اخلفني في قومي وأصلح} أي كن خليفتي في بني إسرائيل حال غيابي للمناجاة والتكليم، وأصلح أمرهم بإسداء النصح لهم، وسياستهم بالرفق والرحمة - واحذر سلوك سبيل العصاة والظالمين 180.

143 - (وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ)

قوله تعالى: {ولما جاء موسى لميقاتنا وكلمه ربه قال رب أرني انظر إليك قال لن تراني ولكن انظر إلى الجبل فإن استقر مكانه فسوف تراني فلما تجلى ربه للجبل جعله دكا وخر موسى صعقا فلما أفاق قال سبحانك تبت إليك وأنا أول المؤمنين} .

لما جاء موسى -عليه السلام- في الوقت الموعود للقاء ربه وتكليمه فناجاه الله وكلمه، أحب أن يرى ربه فسأله أن يراه - فأجابه ربه {لن تراني} لأنك لن تطيق أن تراني؛ ذلك أن موسى بشر قد جبل على طبع البشر من حيث محدودية العزم والقدرة والطاقة بالغرم من كونه نبيا ورسولا أوتي من ربه العصمة؛ فهو بطبيعته البشرية وطاقته البدنية والإنسانية لا يملك أن يرى الله جهرة - ولئن رآه لسوف ينفي ويتبدد! فهذا الجبال الشامخات، وتلك الأجرام الكونية الضخام لو ظهر لها الله بجلاله وعليائه وسطوع نوره؛ فإنها سوف تنماع أو تسيخ أو تزول البته! فكيف بالإنسان، ضعيف البنية والاقتدار والاحتمال، لا جرم أنه أعظم ضعفا وأشد أن لا يتماسك أمام جبروت الله إذا تجلى له ظاهرا.

وقوله: {ولكن انظر إلى الجبل فإن استقر مكانه فسوف تراني} ، {استقر} ، أي ثبت وسكن - ويضرب الله لموسى مثالا من الجبل وهو أعظم وأثبت من نبيه الإنسان؛ أي إنك يا موسى لن تطيق رؤيتي أو النظر إلي؛ لبساطة احتمالك واقتدارك وضعف بنتك وبدنك، لكن انظر إلى هذا الجبل، فإن ثبت أو سكن مكانه من غير اضطراب أو زعزعة أو تزلزل فسوف تزاني - وذلك برهان من الله مشهود؛ ليتحقق لموسى أنه لن يستطيع أن ينظر إلى الله، بدليل اندكاك الجبل لما تجلى له ربه وهو قوله سبحانه:

{فلما تجلى ربه للجبل جعله دكا وخر موسى صعقا} تجلى، أي ظهر - أي لما ظهر الله للجبل، وقيل: ظهر له اقتداره وأمره {جعله دكا} دكا منصوب من وجهين، أحدهما: أن يكون منصوبا على المصدر، من: دككت الأرض دكا، إذا جعلتها مستوية.

وثانيهما: أن يكون منصوبا على المفعول وفيه حذف لمضاف، وتقديره: فجعله ذا دك؛ أي ذا استواء 181، ودكا، من الدك وهو الدق - وقد دكه، إذا ضربه وكشره حتى سواه بالأرض - والدكداك من الرمل: ما التبد منه بالأرض ولم يرتفع 182.

وقيل: ساخ الجبل في الأرض - وقيل: تفرقت أجزاؤه وتناثرت حتى صار مستويا بالأرض.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت