قوله: {وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ (6) الَّذِينَ لاَ يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ بِالْآَخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ} - ذلك تهديد ووعيد من الله للمشركين المكذبين الذين لا يقرون بوجوب الزكاة في أحوالهم - وهذه خسيسة من خسائس الكافرين في كل زمان؛ إذ يعظِّمون المال أشد تعظيم ولا يعبئون بغير جمعه وتكثيره والاستئثار به ليحرم من المحاويج والمساكين - فم بذلك أشحة مناكيد يبخلون عن بذل المال في وجوه الخير وفي دفع غوائل الفقراء والمعوزين لفرط حبهم للمال والمتاع والشهوات {وَهُمْ بِالْآَخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ} المشركون سادرون في غفلتهم وضلالهم، لاهون عن ذكر الآخرة؛ لأنهم مشغولون بحطام الدنيا وزينتها فلا يعبئون بأخبار الآخرة ولا يوقنون بها.
قوله: {إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ} ذلك وعد من الله لعباده المؤمنين الذين يفعلون الطاعات على اختلاف وجوهها، ومن بينها أداء الزكاة؛ فإن لهم من عظيم الجزاء في الآخرة ما لا ينقطع ولا يزول وهو قوله: {غَيْرُ مَمْنُونٍ} أي غير مقطوع - من المن وهو القطع، وقيل: النقص 6.
قوله تعالى: {قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدَادًا ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ (9) وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِنْ فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ (10) ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلأَرْضِ اِئْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ (11) فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا وَزَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَحِفْظًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ} .
همزة الاستفهام للتوبيخ؛ فقد أمر الله نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم بتوبيخ المشركين والتعجب من فعلهم؛ إذْ يكفرون بالله البارئ المقتدر الذي {خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ} أي تكفرون بالله وهو الإله القادر الذي خلق الأرض في يومين، وهو سبحانه أعلم بحقيقة هذين اليومين من حيث مداهما ومدتهما {وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدَادًا} الواو، في قوله: {ويجعلون} واو الحال من ضمير خلق 7 - أي وتشركون معه آلة أخرى وهي أنداد مصطنعة وأرباب موهومة، والله وحده خالقهم ومالكهم وبيده مقاليد كل شيء {ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ} .
قوله: {وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِنْ فَوْقِهَا} الرواسي، الجبال الثوابت الرواسخ، واحدتها راسية - رسا الشيء أي ثبت 8 وقد ذكر أنه لما خلق الله الأرض مادت واضطربت لخفتها في هذا الفضاء الهائل الشاسع فأرساها الله أي رسّخها وثبتها بالجبال الثقال.
قوله: {وَبَارَكَ فِيهَا} أي بارك الله في هذه الأرض؛ إذ جعلها دائمة الخير والمنافع لأهلها فقد أخرج منها الماء وأنبت فيها الشجر وجعل فيها الهواء والغذاء وكل أسباب العيش والاستقرار.