قوله: {وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ} لا يستوي من كان غافلا عن جلال الله وعظيم قدره وعن حقيقة البعث والمعاد، ومن هو مؤمن بأن الله حق وأن الساعة آتية لا ريب فيها؛ فهو ذو بصيرة يدرك بها الحق والصواب - وبذلك شَبَّهَ المؤمن المستيقن المتذكر بالبصير الذي يمشي مهتديا لا يضل ولا يتعثر.
قوله: {وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ولاَ الْمُسِيءُ} لا: زائدة للتوكيد؛ لأنه لما طال الكلام بالصلة أعاد معه {وَلاَ} توكيدا 28 والمعنى: أن المؤمنين الذين يعملون الصالحات محسنون، وخلافهم الكافرون الفجار وهم مسيئون، ولا يستوي الفريقان {قَلِيلًا مَا تَتَذَكَّرُونَ} {قليلا} صفة لمصدر محذوف؛ أي تذكُّرًا قليلا تتذكرون - و {مَّا} صلة زائدة - وذلك هو دأب الإنسان في طول غفلت وكثرة إعراضه عن الحق وسرعة إقباله على الشهوات ومتاع الدنيا.
قوله: {إِنَّ السَّاعَةَ لَآَتِيَةٌ لاَ رَيْبَ فِيهَا} ذلك إعلان رباني مجلجل يبين الله فيه حقيقة مزلزلة كبرى، وهي قيام الساعة وفناء العالمين - وذلك حدث شامل مذهل، وانقلاب كوني رعيب يأتي على الوجود كله فيحيله إلى يباب صفصف - وهذه حقيقة مسطورة كبرى، وخَطْبٌ جلل رهيب يشهد الله أنه واقع لا محالة {وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يُؤْمِنُونَ} أكثر الناس تائهون سادرون في الضلالة؛ فقد غشيتهم الغفلة وأذهلهم النسيان وأعمتهم الحياة الدنيا بزخرفها وزينتها، وأضلهم الشيطان بتزيينه وإغوائه - وهو قوله: {ولكن أكثر الناس لا يعلمون} 29.
قوله تعالى: {وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ} .
اختلف المفسرون في تأويل قوله: {ادْعُونِي} وفي المراد بالاستجابة - فقد قيل: ادعوني بمعنى اعبدوني فيكون معنى الآية: اعبدوني أثبكم وأغفر لكم؛ فالدعاء معناه العبادة ويؤيد هذا التأويل ورود الدعاء في كثير من الآيات بمعنى العبادة - وكذلك سياق الآية هنا وهو قوله بعد ذكر الدعاء {إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي} وفي ذلك روى الإمام أحمد عن النعمان بن بشير - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم"إن الدعاء هو العبادة".
وقيل: المعنى اسألوني أعطكم - فالدعاء معناه السؤال والطلب.
والصواب: شمول الدعاء للعبادة والسؤال - على أن التوجه إلى الله بالسؤال والطلب لهو ضرب من العبادة، بل إنه أعظم العبادة وأجلُّها - وفي الحديث الصحيح"الدعاء مخ العبادة"ولا يستنكف عن التضرع إلى الله بالطلب أو يستكبر عن السؤال لدفع الشر وتحقيق الخير إلا خاسر أثيم - وهو قوله سبحانه: {إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ} أي صاغرين ذليلين - وقد روى الإمام أحمد عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"من لم يسأل الله يغضب عليه"30.