قوله: {واذكروا إذ كنتم قليلا فكثركم وانظروا كيف كان عاقبة المفسدين} إذ، في موضع نصب على الطرف - وقيل: مفعول به - وتقدير: اذكروا -على سبيل الشكر- وقت كونكم قليلا عددكم فكثركم الله وتكثيرهم يحتمل وجهين: أحدهما: تكثير عددهم بعد أن كان قليلا - وثانيهما: تكثيرهم بالغنى بعد أن كانوا فقراء - والوجه الأول أظهر؛ فهو يدعوهم أن يشكروا نعمة ربهم عليهم؛ إذ جعلهم أقوياء بتكثيرهم بعد أن كانوا قلة - ثم يخوفهم بما حل بمن سبقهم من الأمم كقوم نوح وعاد وثمود ولوط، أولئك الذين ظلموا أنفسهم بالكفر ومجانية التوحيد فأخذهم الله بالعذاب المهين في هذه الدنيا - وما بين زلزلة وصيحة وتغريق وتدمير بالقلب والحجارة - يدعوهم أن يتفكروا فيما حل بهؤلاء الظالمين التعساء من فادح العواقب، فضلا عما أعده الله لهم يوم القيامة من التعس والهوان حيث الجحيم والنيران - وهذا مقتضى قوله: {وانظروا كيف كان عاقبة المفسدين} .
قوله: {وإن كان طائفة منكم آمنوا بالذي أرسلت به وطائفة لم يؤمنوا فاصبروا حتى يحكم الله بيننا وهو خير الحاكمين} الطائفة بمعنى الجماعة - والطائفة من الشيء، قطعة منه - والطائفة من الناس، الواحد فما فوقه 132.
والمراد أن قوم شعيب كانوا قسمين، حدهما: المؤمنون الذين صدقوا شعيبا واتبعوه وهم قلة - وثانيهما: الكافرون - وهم الأكثرون - وفي الآية تهديد ظاهر للمشركين الظالمين الذين عتوا عن أمر ربهم، ووعيد لهم بالهلاك والعذاب، فوق ما تتضمنه الآية من تحضيض للطائفة المؤمنة على الصبر والاحتمال - وتقدير الكلام في قول شعيب لقومه هو: إن كنتم يا قوم قد اختلفتم علي فآمنت منكم طائفة وكفرت طائفة أخرى فاصبروا أيها الكفرة حتى يقضي الله بيننا وبينكم بأن ينصر الله جنده المؤمنين الصابرين وينتقم من المشركين الظالمين؛ فيأخذهم بعذاب الخزي في الدنيا - ثم يردهم في الآخرة إلى مصيرهم البئيس في الجحيم.
قوله: {قال الملأ الذين استكبروا من قومه لنخرجكم يا شعيب والذين آمنوا معك من قريتنا أو لتعودن في ملتنا} ذلك رد الكافرين المعاندين الذين لا تجدي معهم الحجج والبراهين ولا يثنيهم سطوع المنطق والدليل عن غيهم وضلالهم واستكبارهم - والأشد من ذلك أنهم لم يكتفوا بجحودهم وتكذيبهم وطغيانهم بل جاوزوا ذلك إلى فظاعة النكر والبطر وإلى بشاعة العتو والأشر، إذ توعدوا شعيبا والذين آمنوا معه بالإخراج من البلد إلا أن يعودوا إلى ملة الكفر والإشراك بالله - فإما الإخراج والتهيج، أو العود إلى ظلام الكفران والعصيان - وذلك هو ديدن الكافرين الظالمين في كل زمان؛ إذ يستكبرون على الحق استكبارا، ويلجون في الضلالة والعدوان لجوجا، فوق ما يذيقون المؤمنين من ألوان الظلم؛ من تنكيل وتخويف وتهديد وطرد وتشريد وفتنة عن دين الله؛ ليرتدا إلى ملة الظلام والفساد والكفر.