فهرس الكتاب
وفي عظيم رحمة الله بعباده وبالغ كرمه ولطفه بهم كيلا ييأسوا من رحمة الله روى الإمام أحمد عن أنس بن مالك (رضي الله عنه) قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:"والذي نفسي بيده لو أخطأتم حتى تملأ خطاياكم ما بين السماء والأرض ثم استغفرتم الله تعالى لغفر لكم، والذي نفس محمد بيده لو لم تخطئوا لجاء الله عز وجل بقوم يخطئون ثم يستغفرون الله فيغفر لهم"وروى الإمام أحمد أيضا عن ابن عباس (رضي الله عنهما) قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"كفارة الذنب الندامة"وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم"لو لم تذنبوا لجاء الله تعالى بقوم يذنبون فيغفر لهم".
وعن عبد الله بن الإمام أحمد بسنده عن علي بن أبي طالب (رضي الله تعالى عنه) قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"إن الله تعالى يحب العبد المفتن التواب".
قوله: {وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ} أنيبوا من الإنابة وهي الرجوع إلى الله بالإخلاص أي ارجعوا إلى الله تائبين مخلصين، واخضعوا له وأطيعوا {مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لاَ تُنْصَرُونَ} أي بادروا بالتوبة والإنابة قبل أن يحل عليكم غضب الله وانتقامه فلا تجدون لكم حينئذ من ناصر يستنقذكم من عذاب الله النازل بكم.
قوله: {وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ} أي اتبعوا ما أمركم به ربكم في كتابه الحكيم واجتنبوا ما نهاكم فيه عنه فهو أحسن ما أنزل الله إليكم - وذلك من الأوامر والنواهي والأمثال والأخبار والأحكام والعبر والقصص والوعد والوعيد - وقيل: أحسن ما أنزل إليكم هو القرآن، وكله حسن؛ فقد أنزل الله كتبا وهي التوراة والإنجيل والزبور ثم أنزل القرآن وأمر باتباعه فهو الأحسن بكماله وإعجازه وهو ناسخ لكثير من الكتب السابقة فضلا عن صلاحه لكل زمان ومكان بخلاف الشرائع السابقة فما كان يصلح كثير منها إلا لأمة معلومة في أزمان محدودة.
قوله: {مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ بَغْتَةً وَأَنْتُمْ لاَ تَشْعُرُونَ} أي أطيعوا الله واعبدوه وحده والتزموا ما أمركم به في منهاجه العظيم لكم من قبل أن يفاجئكم عذاب الله؛ إذ يغشاكم بغتة وأنتم لا تعلمون به.
قوله: {أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ} أن بمعنى لئلا، أو كراهية؛ أي لئلا تقول نفس - وقد نكَّر النفس؛ لأن المراد بها بعض الأنفس وهم الظالمون الخاسرون؛ إذْ يقول الهالك الخاسر يوم القيامة حيث العذاب المباغت الداهم والإياس الكامل {يَا حَسْرَتَا} والأصل: يا حسرتي - ولكن العرب تحوِّل الياء ألفا لأنها أمكن في الاستغاثة - ي يا ويلتا ويا ندما {عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ} على ما ضيعت من أوامر الله - أو على ما قصرت في طاعة الله {وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ} أي وما كنت من المستهزئين بدين الله وبكتابه الحكيم وبما جاء به المرسلون وبالمؤمنين.