فهرس الكتاب

الصفحة 1298 من 2536

قوله تعالى: (فاصدع بما تؤمر واعرض عن المشركين(94) إنا كفيناك المستهزئين (95) الذين يجعلون مع الله إلها آخر فسوف يعلمون (96) (فاصدع) ، من الصدع وهو الشق - وتصدع القوم: إذ انشقوا أو تفرقوا، وصدع بالحق: تكلم به جهارا، والمراد هنا: أظهر دينك، أو فرق بين الحق والباطل بإظهار ما تؤمر به - وما، في قوله: (بما) تحتمل وجهين - احدهما: أن تكون ما، اسما موصولا بمعنى الذي - والتقدير: فاصدع بالذي تؤمر به - وثانيهما: أن تكون ما، مصدرية - والتقدير: فاصدع بالأمر 59.

وذلك أمر من الله لنبيه (ص) بتبليغ رسالته للناس جهارا دون استخفاء؛ فقد قالوا: ما زال النبي (ص) مستخفيا حتى نزلت هذه الآية التي يأمر الله فيها بإبلاغ ما بعثه الله به والصدع به مجاهرة وظهورا - ويقتضي ذلك مواجهة المشركين علانية بالقرآن وما فيه للناس من رسالة التوحيد وإخلاص العبودية لله دون سواه، وما حمله أيضا من شرائع وأحكام تسوق البشرية إلى النجاة والسلامة والخير في الدنيا والآخرة.

قوله: (واعرض عن المشركين) أي بلغ قومك ما أرسلت به إليهم، ولا تلتفت إلى المشركين الذين يصدون عن دين الله، واكفف عن قتالهم وحربهم - ثم نسخ ذلك بآيات القتال كقوله: (فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم) .

قوله: {فإن كفيناك المستهزئين} أي لا تعبأ بالمشركين ولا تخش أذاهم وكيدهم فإن الله كافيك الذين يستهزئون بك من المشركين، الذين يناصبونك العداء والصد والأذى.

وقيل: نزلت هذه في خمسة نفر كانوا يبالغون في إيذاء رسول الله (ص) وفي الاستهزاء به فأهلكهم الله انتقاما لدينه ولرسوله (ص) ، وهؤلاء هم الوليد بن المغيرة؛ فقد مرّ بنبّال فتعلق بثوبه سهم فأصاب عرقا في عقبه فقطعه فمات - والعاص بن وائل دخل في أخمصه شوكة فانتفخت رجله فمات - والأسود بن عبد المطلب عمي - والأسود بن عبد يغوث جعل ينطح رأسه بالشجرة ويضرب وجهه بالشوك حتى مات - والحارث بن قيس امتخط قيحا ومات.

قوله: (الذين يجعلون مع الله إلها آخر) هذا وصف للمستهزئين الذين أهلكهم الله؛ فقد وصفهم الله بالشرك؛ إذ عبدوا مع الله آلهة أخرى فما كان ذنبهم الاستهزاء وحده؛ بل كان لهم ذنب شنيع آخر لا يقل عن الإشراك فظاعة ونكرا، وهو الاستهزاء برسول الله (ص) - فما يستهزئ برسول الله (ص) إلا كل فاجر خاسر أو عتلّ متوقّح ظلوم قد سخر من خير من حملت الغبراء وأظلت السماء وذلكم هو خير البرية والأنام: محمد رسول الله (ص) - وما الاستسخار بنبي الله إلا الاستسخار بالرسالة المنزلة من عند الله للعالمين، الرسالة التي جاءت تحمل للبشرية ملة التوحيد وسبيل الهداية والحق، وتسوق الناس طيلة الزمان إلى الحق والخير والنجاء - وليس الاستسخار من ذلك إلا محض الكفران والعصيان والتمرد.

قوله: (فسوف يعلمون) ذلك تهديد من الله ووعيد لهؤلاء الخاسرين المستهزئين الذين يسخرون من نبي الله (ص) وهو المبعوث إليهم هداية ورحمة؛ فقد توعدهم الله بالعذاب؛ وهو ما يلاقونه من شديد البلاء والويل عند مصيرهم إلى ربهم يوم القيامة 60.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت