والمعنى أن الله يأمر نبيه صلى الله عليه وسلم وكل أحد من المسلمين، إذا رأى المشركين الضالين يخوضون في آيات القرآن أو في تعاليم الإسلام بالتضليل والافتراء والباطل والطعن فعليه أن يعرض عنهم - وذلك بالقيام من مجلسهم والتخلي عن القعود معهم البتة حتى يأخذوا في حديث آخر غير الاستهزاء بكتاب الله الحكيم أو دينه القويم - وأيما عود مع هؤلاء الضالين المستهزئين بالإسلام لا جرم أن يكون مخالفا لأمر الله وفيه من الذنب ما يجعل القاعدين شركاء في الخطيئة.
وهذه حال المشركين الظالمين في كل زمان، فإنهم لفرط كراهيتهم وتغيظهم يلجأون في وقاحة فاجرة لئيمة للطعن في شيء من تعاليم الإسلام لما يجدونه في ذلك من إشفاء لغليلهم الأسود المقبوح - فلا يجترئ على الطعن في شيء من تعاليم الإسلام أو معنى من معانيه أو آية من آيات الكتاب الحكيم إلا كافر لئيم أو مرتد أثيم - فلا مساغ بذلك لمسلم أن يجالس أمثال هؤلاء العصاة الفاسقين بل يعرض عنهم إعراضا يجدون فيه التحقير لهم والازدراء.
قوله: {وإما ينسينك الشيطان فلا تقعد بعد الذكرى مع القوم الظالمين} إما، إن شرطية، وما مزيدة - والمخاطب في الآية الرسول صلى الله عليه وسلم، والمراد أمته - والمعنى إذا أنساك الشيطان أيها المسلم فقعدت مع المشركين المستهزئين فقم إذا ذكرت 82.
قوله: {وما على الذين يتقون من حسبهم من شيء ولكن ذكرى لعلهم يتقون} قال ابن عباس في سبب نزول هذه الآية: قال المسلمون: لئن كنا كلما استهزأ المشركون بالقرآن وخاضوا فيه قمنا عنهم لما قدرنا على أن نجلس في المسجد الحرام وأن نطوف بالبيت - فنزلت الآية وحصلت الرخصة فيها للمؤمنين بأن يقعدوا معهم وأن يذكروهم ويبينوا لهم.
وقوله: {وما على الذين يتقون من حسبهم من شيء} أي ليس على هؤلاء الذين {يتقون} أي يجتنبون الشرك والكبائر والفواحش {من حسبهم من شيء} أي ليس عليهم إثم من آثام أولئك الخائضين الظالمين - من، زائدة للاستغراق.
وقوله: {ولكن ذكرى} لكن استدراك من النفي السابق - أي ولكن عليهم أن يذكروهم {لعلهم يتقون} أي يتقون الله فينتهون عما هم فيه من الخوض والطعن في آيات الله - وقيل: نسخ هذا الحكم بقوله تعالى: {إذا سمعتم ءايات الله يكفر بها ويستهزأ بها فلا تقعدوا معهم حتى يخوضوا في حديث غيره} وإنما كانت الرخصة قبل الفتح وكان الوقت وقت تقية 83 والأظهر أن الآية غير منسوخة والمعنى أنه ليس عليكم إثم من إثمهم بل عليكم تذكيرهم وزجرهم فإن أبوا فما حسابهم إلا على الله - وقوله: {ذكرى} في محل نصب على المصدر - وقيل: في محل رفع مبتدأ، خبره محذوف - أي ولكن عليهم ذكرى 84.
70 - (وَذَرِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَعِبًا وَلَهْوًا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَذَكِّرْ بِهِ أَنْ تُبْسَلَ نَفْسٌ بِمَا كَسَبَتْ لَيْسَ لَهَا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيٌّ وَلا شَفِيعٌ وَإِنْ تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ لا يُؤْخَذْ مِنْهَا أُولَئِكَ الَّذِينَ أُبْسِلُوا بِمَا كَسَبُوا لَهُمْ شَرَابٌ مِنْ حَمِيمٍ وَعَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ)