فهرس الكتاب

الصفحة 1377 من 2536

قوله تعالى: {ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط فتقعد ملوما محسورا (29) إن ربك يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر إنه كان بعباده خبيرا بصيرا (30) } بعد أن أمر الله بالإنفاق على أولي القربى والمساكين وابن السبيل، بيّن كيفية الإنفاق - وجملة ذلك: مجانبة الإفراط والتفريط، أو التقتير والتبذير - وكلا الأمرين في تصور الإسلام بغيض ومحظور - فهما مما نهى الله عنهما ورسوله - لا جرم أن الإسلام دين الاعتدال والتوازن والوسط؛ فهو يندد بالتقتير تنديده بالتبذير - وكذلك يندد بالإفراط كتنديده بالتفريط - وتلك هي المحجة المستقيمة التي رسخها الإسلام بعيدا عن كل ظواهر الزيغ والاعوجاج - ويكشف عن هذه الحقيقة قوله في سورة الفرقان: (والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك قواما) وقال سبحانه ههنا: (ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك) هذا من باب المجاز، عبّر به عن البخيل الممتنع من الإنفاق والذي لا يعطي من ماله شيئا؛ فهو كالذي تشد يده إلى عنقه فلا يقدر على التصرف بها لا أخذا ولا إعطاء - والمراد النهي عن الإمساك والشح؛ فإن الشح بغيض إلى الله بغيض إلى عباده.

قوله: (ولا تبسطها كل البسط) (كل) ، منصوب على المصدر لإضافته إليه - وهذا مثل آخر ضربه في المبذر المسرف - ذلك أن قبض اليد يحبس ما فيها، وهو كناية عن البخل - أما بسطها: فإنه يُُذهب ما فيها وهو كناية عن التبذير، وكلا النقيضين، البخل: والتبذير، محظور.

قوله: (فتقعد ملوما محسورا) (ملوما) ، أي يلوم نفسه على ما فاته من ماله؛ فقد ضيّع ماله بالكلية ولم يُبق لنفسه وأهله وولده منه شيئا - وكذلك يلومه الناس لعدم إعطائهم منه شيئا - و (محسورا) ، أي نادما على ما فرط منه، أو منقطعا به لا شيء عنده - والمقصود: تشبيه حال من أنفق كل ماله بمن انقطع في سفره 41.

قوله: (إن ربك يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر) الله هو الرازق الباسط، وهو القابض المانع؛ وهو يغني من يشاء ويضيّق على من يشاء لحكمة لا يعلمها إلا هو - ذلك أن الناس في تفاوت جبلاتهم واختلاف طبائعهم ليسوا على نسق واحد في مدى التأثر بالمال وسعة الرزق؛ فمنهم من لا يزداد بكثرة ذلك إلا تعسفا وبطرا ليتيه بعد ذلك على وجهه اختيالا واستكبارا وقد أعماه البطر والغرور عن شكر النعمة - ومنهم من يبادر الشكر لله فينفق جل ماله في وجوه البر والخير، فالله سبحانه يعلم من يصلحه الغنى والسعة، ومن يفسده ذلك - وهو قوله سبحانه: (إنه كان بعباده خبيرا بصيرا) 42.

قوله تعالى: {ولا تقتلوا أولادكم خشية إملاق نحن نرزقهم وإياكم إن قتلهم كان خطأ كبيرا} كان العرب يقتلون البنات لعجزهن عن الكسب ولقدرة البنين عليه بسبب إقدامهم على النهب والغارة - وكانوا أيضا يخشون إنكاح البنات من غير الأكفاء إن كن معسرات - وذلك في تصورهم عار شديد؛ ومن أجل ذلك يحذر الله عباده أعظم تحذير، ويخوفهم بالغ التخويف من فظاعة الإقدام على قتل البنات بسبب الفقر أو الإحساس السقيم بالعار بسببهن فقال: (ولا تقتلوا أولادكم خشية إملاق) أي خشية فقر (نحن نرزقكم وإياكم) فإن الله لهو رازق الجميع، فما رزق الأولاد إلا على ربهم وهو سبحانه ضمين بذلك.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت