وذلك استفهام إنكاري - وتقدير الكلام: من أين يأتيكم الكفر والإغواء والفتنة ولديكم ما يمنعكم منه، وهو القرآن الكريم يتلى عليكم، ذلك الكتاب الذي تتقاطر منه نسائم الإعجاز البالغ ما بين حلاوة في النغم وفصاحة في الكلم، وروعة خارقة نفاذة في الأسلوب، لا جرم أن القرآن بإيقاعه المؤثر وجرسه النافذ الساحر وأسلوبه المعبر الباهر بحقيقة المعجزة الربانية المجلجلة من خلال هذا الكلام الحكيم.
وقوله: (وفيكم رسوله) أي رسول الله صلى الله عليه و سلم بين أظهركم ينبهكم ويعظكم ويزيل ما ينتابكم من شبهات المضلين، فضلا عن الشخصية الفذة لهذا النبي الحكيم، الشخصية المتكاملة المثلى التي عز نظيرها في العالمين، وخلال التاريخ كله، الشخصية التي تتندى من سجاياها ومزاياها كل معاني الخير والجمال والرحمة.
وفي مثل هذا الصدد جاء في الحديث أن النبي صلى الله عليه و سلم قال لأصحابه يوما:"أي المؤمنين أعجب إليكم إيمانا؟"قالوا: الملائكة، قال:"وكيف لا يؤمنون والوحي ينزل عليهم"قالوا: فنحن قال:"وكيف لا تؤمنون وأنا يبن أظهركم؟"قالوا: فأي الناس أعجب إيمانا؟ قال:"قوم يجيئون من بعدكم يجدون صحفا يؤمنون بما فيها"185
قوله: (ومن يعتصم بالله فقد هدى إلى صراط مستقيم) ذلك تحريض من الله للمؤمنين لكي يعتصموا بالله، أي يستمسكوا بدينه القويم ويستنيروا بنور قرآنه العظيم، ومن يستمسك بذلك لا جرم أن مآله الرشاد والاهتداء إلى صراط الله المستقيم وهو الإسلام.
قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا واذكروا نعمت الله عليكم إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخوانا وكنتم على شفا حفرة من النار فأنقذكم منها كذلك يبين الله لكم آياته لعلكم تهتدون) يأمر الله المؤمنين وأن يخافون وأن يراقبوه في السر والعلن فيطيعوه تمام الطاعة ويجتنبوا معاصيه تمام الاجتناب - قال ابن مسعود في تأويل قوله: (اتقوا الله حق تقاته) أي أن يطاع فلا يعصى، وأن يذكر فلا ينسى، وأن يشكر فلا يكفر - وقد رواه الحاكم في مستدركه عن ابن مسعود مرفوعا - قال ابن كثير: والأظهر أنه موقوف والله أعلم.
والتقوى في حقيقة مدلولها الإسلامي، هي حالة من كمال الخوف من الله، وما يستتبعه ذلك من كمال الوازع الديني الذي يغشى الجهاز النفسي كله لينشر فيه الشفافية وأقصى الدرجات من رهافة الحس والوجدان - ويستلزم ذلك بالضرورة أن تنقاد الجوارح لعمل الطاعات وتستعصم عن فعل المنهيات والمنكرات، لا جرم أن هذه الصفات النفسية والروحية والبدنية جد عسيرة، حتى إنها لتعز على التطبيق والعمل إلا قليلا، بل إنها لا يطيقها من الناس غير لفيف قليل مميز من الصالحين الأبرار - ويؤيد هذه الحقيقة ما روي عن أنس أنه قال: لا يتقي العبد الله حق تقاته حتى يحزن لسانه 186.
وقد روي عن جماعة من أهل العلم إلى أن هذه الآية منسوخة بقوله تعالى: (فاتقوا الله ما استطعتم) وعن ابن عباس في قوله تعالى: (اتقوا الله حق تقاته) قال: لم تنسخ - ولكن (حق تقاته) أن يجاهدوا في سبيله حق جهاده ولا تأخذهم في الله لومة لائم ويقوموا بالقسط ولو على أنفسهم وآبائهم وأبنائهم.
وقوله: (ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون) النهي في ظاهره واقع على الموت وليس هو المقصود، بل الأمر بالإقامة على الإسلام هو المقصود، أي لا تكونن على حال سوى حال الإسلام إذا أدرككم الموت.