فهرس الكتاب
فقد قيل: نزلت في الكافرين؛ فهم لا ينوون بأعمالهم إلا الدنيا وزينتها، وقيل: نزلت في المنافقين وأهل الرياء، وقيل غير ذلك - والصواب أن هذه الآية عامة في كل ما يبتغي بعمله غير الله، سواء كان كافرا أو منافقا أو مرائيا؛ فأيما امرئ قصد بعمله غير الله فلا يجزي مقابله الثواب في الآخرة - وإنما يجزي في الدنيا حظه من زينة الحياة وطيب العيش فيها وحسن الصحة وجزيل الثناء من الناس، لكنه في الآخرة محروم خاسر، وذلك كالشرك الذي يصل الأرحام ويعطي السائلين ويرحم المضطرين والمكروبين ويغيث الملهوفين والمحتاجين وغير ذلك من صالح الأعمال، فإن الله يعجل له ثواب عمله في الدنيا؛ إذ يوسع عليه في الرزق، ويقر عينه بما أعطاه، ويدفع عنه من المكاره ما يعدل ما بذله من خير ومعروف، وهو في الآخرة ما له من نصيب - وكذلك المنافقون والمراؤون الذين لا يبتغون بأعمالهم إلا الدنيا وزينتها وزخرفها وحسن الثناء فيها والإطراء؛ فإنهم يعطون من زينة الدنيا ما يتمتعون به وينعمون - {وهم فيها لا يبخسون} أي لا ينقصون من نعيمها ومتاعها شيئا.
قوله: {أولئك الذين ليس لهم في الآخرة إلا النار} هؤلاء الذين تبين ذكرهم يوفون أجور أعمالهم في الدنيا وليس لهم في الآخرة إلا النار يصلونها.
قوله: {وحبط ما صنعوا فيها} حبط حبطا وحبوطا؛ أي بطل، حبطت الداية حبطا، بالتحريك: انتفخ بطنها من كثرة الأكل، أو من أكل ما لا يوافقها - والحباط: وجع البطن من الانتفاخ لكثرة الأكل أو الأكل مالا يوافق 19 - والمعنى: أن ما كان يعمله هؤلاء المشركون والمنافقون والمراؤون من صنعي في الدنيا ليس لهم فيه ثواب؛ ولكنه ذاهب هدرا بغير قيمة أو حساب؛ لأنهم ما كانوا يريدون به الآخرة، إنما أرادوا به الدنيا وزينتها وزخرفها.
قوله: {وباطل ما كانوا يعملون} باطل، مرفوع؛ لأنه مبتدأ - و {ما كانوا يعلمون} ، خبر 20؛ أي ما كان يعمله هؤلاء غير معتمد به ولا معتبر؛ بل هو باطل؛ لأنهم كانوا يعلمون بغير الله؛ فأبطل الله وأعمالهم 21.
17 - (أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِنْهُ وَمِنْ قَبْلِهِ كِتَابُ مُوسَى إِمَامًا وَرَحْمَةً أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الأَحْزَابِ فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ فَلا تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يُؤْمِنُونَ)
قوله تعالى: {أفمن كان على بينة من ربه ويتلوه شاهد منه ومن قبله كتاب موسى إماما ورحمة أولئك يؤمنون به ومن كفر به من الأحزاب فالنار موعده فلا تك في مرية منه إنه الحق من ربك ولكن أكثر الناس لا يؤمنون} الهمزة للاستفهام الأنكاري - وقوله: {أفمن كان على بينة} مبتدأن والخبر محذوف - والمراد بالبينة البراهان، وتقديره الخبر: كمن كان يريد الحياة الدنيا وزينتها؟ والمعنى: أفمن كان على برهان، من الله يدل على الحق والصواب كمن كان يريد الحياة الدنيا؟ وهذا الحكم عام فيشمل كل مؤمن مخلص - وقيل: المراد به الرسول صلى الله عليه وسلم، والمراد بالبرهان دليل الفطرة والعقل.