فهرس الكتاب
قوله: (والله سميع عليم) الله يسمع ما تقولونه بأفواهكم من خير أو شر فاحذروا التلبس بالبهتان وقول الفاحشة، وهو سبحانه يعلم كل أموركم وأحوالكم - وما يصدر عنكم من أقوال وأفعال لا يخفى على الله منها شيء.
قوله تعالى: {ولا يأتل أولوا الفضل منكم والسعة أن يؤتوا أولى القربى والمساكين والمهاجرين في سبيل الله وليعفوا وليصفحوا ألا تحبون أن يغفر الله لكم والله غفور رحيم (22) } بينا سابقا أن هذه الآية نزلت في قصة أبي بكر بن أبي قحافة (رضي الله عنه) ومسطح بن أثاثة وذلك أنه كان ابن بنت خالته - وكان من المهاجرين البدريين المساكين - وهو مسطح بن أثاثة بن عبد المطلب بن عبد مناف - وكان أبو بكر (رضي الله عنه) ينفق عليه لمسكنته وقرابته - فلما وقع أمر الإفك وقال فيه مسطح ما قال، حلف أبو بكر ألا ينفق عليه ولا ينفعه بنافعة أبدا - فجاء مسطح فاعتذر وقال: إنما كنت أغشى مجالس حسان فأسمع ولا أقول - فقال له أبو بكر: لقد ضحكت وشاركت فيما قيل: إن جماعة من المؤمنين قطعوا منافعهم عن كل من قال في الإفك وقالوا: والله لا نصل من تكلم في شأن عائشة، فنزلت الآية في جميعهم، والأول أصح وهو المشهور - على أن الجدير ذكره أن الآية تتناول الأمة كلها إلى يوم القيامة بألا يغتاظ ذو فضل وسعة، فيحلف ألا ينفع مؤمنا أبد الدهر؛ لكونه آذاه بشيء من الإذاية أو الإساءة - وقد روي في الصحيح أنه لما نزل قوله جل وعلا: (إن الذين جاءوا بالإفك عصبة منكم) إلى آخر العشر آيات قال أبو بكر- وكان ينفق على مسطح لقرابته وفقره-: والله لا أنفق عليه شيئا أبد بعد الذي قال لعائشة، فأنزل الله عز وعلا (ولا يأتل أولوا الفضل منكم والسعة) إلى قوله: (ألا تحبون أن يغفر الله لكم) فقال أبو بكر رضي الله عنه: والله إني لأحب أن يغفر الله لي - فرجع إلى مسطح النفقة التي كان ينفق عليه - وقال لا أنزعها منه أبدا - وعلى هذا، من حلف على شيء لا يفعله فرأى أن فعله أولى من تركه أتاه وكفّر عن يمينه - أو كفر عن يمينه وأتاه - وقد مضى تفصيل ذلك في الأيمان.
قوله: (ولا يأتل أولوا الفضل منكم والسعة) لا يأتل؛ أي لا يحلف - يقال: ألى يؤلي؛ أي حلف يحلف - والإيلاء معناه الحلف - والأليّة بمعنى اليمين، وجمعها ألايا 29 والمعنى: لا يحلف أصحاب التفصل والصدقة والإحسان (والسعة) أي الجدة والخير منكم، أن لا يصلوا قراباتهم من الفقراء والمهاجرين، وأن لا يعطوهم من مالهم - وقيل: يأتل بمعنى يقصر - والقول الأول، الصحيح وهو المشهور بدليل سبب نزول الآية - ومقتضى هذا: أن لا يحلفوا على أن الصحيح وهو المشهور بدليل سبب نزول الآية - ومقتضى هذا: أن لا يحلفوا على أن لا يحسنوا إلى المؤمنين الفقراء المستحقين للإحسان والعون بالرغم من إساءتهم لهم.
قوله: (وليعفوا وليصفحوا) أي ليعفوا عن مساءاتهم التي اجترحوها بحقهم وليتركوا عقوبتهم على ذلك بحرمانهم مما كانوا يؤتونهم قبل ذلك - بل ينبغي أن يعودوا إليهم بالإحسان والإفضال.
قوله: (ألا تحبون أن يغفر الله لكم) ذلك تحضيض رباني كريم فيه من بالغ الترغيب في العفو والإحسان للمؤمنين الضعفاء ما فيه.